الحميمية تتبعها السطحية
كم ألوم نفسي عندما أنظر إليها! هل فعلاً قلّت خاتمتي معها؟ وهل أصبحت تلك العلاقة الخاصة جداً معها في مهب الريح؟ لا .. لم أكن أتوقع ذلك في أي يوم من الأيام؛ كل تلك الصلات الحميمية تصبح الآن علاقات سطحية؛ يكتفى فيها بالنظر، ثم الانصراف دون التأمل، ومداومة تلمس الحاجات، والاطمئنان على سلامة الحال، والشعور بتوافق تام في صحبتها؟ هكذا هي الأيام .. أسمع عنها من كتب التاريخ، ومن قصص الأوائل أنها تسبب الخيانات بين الأصدقاء، لكني كنت أظن ذلك حدوساً خاصة بآخرين، ومواعظ يلقيها المدّعون بمعرفة كنه الأشياء دون غيرهم، ليتباهوا بعلمهم ذاك، ووعيهم بما لم يعه الآخرون. وعندما لمست صدق وعيدها، عرفت صدق ما كانوا يقولون! لم يقولوا: الزمن أو الوقت أو العصور أو الدهر تغيّر الأحوال في علاقات الأصدقاء، بل قالوا: الأيام .. إذاً فالأيام هي خصمي، وليس الزمن أو الوقت أو غيرهما! وما مدى خصومة الأيام معي؟ لقد عشت أياماً طويلة مع أولئك الأصدقاء، الذين أعرفهم واحداً واحداً، ليس من الخارج فحسب، بل من الداخل أيضاً. لقد مكثت مع كل منهم ما يكفي لاكتشاف ما لديه، كما أعطاني كل منهم أفضل ما لديه. هل تعود تلك الأيام؟ لا .. أعرف أنها لن تعود، وربما هم يعرفون، عندما يطلّ كل منهم عليّ من مكانه الذي يتربّع فيه، ويدغدغ في قلبي نوازع لا نهاية لها. فهل الخيانة مني، أم من الأيام، أم من وضْع أولئك الأصدقاء؟ بوصفي عربياً، لن أنسب الخلل والنقص في المبادئ إليّ؛ بل سأبحث عن أسباب أخرى، وعناصر ألقي اللوم عليها فيما جرى. فهؤلاء الأصدقاء نوعان: أحدهما من النوع غير الملحّ؛ إما لأنه مضى زمنه، أو لأنه من النوع الذي يعود إليه المرء عند الحاجة، فيجده جاهزاً للمعونة. أما الآخر، فهو ذلك الصديق الذي لا غنى عنه في أي زمان، ولا يمضي الزمن به إلا ويزداد ألقاً، ويرتفع أصالة وقيمة. وإذا فتشنا عن سبب الإخلال في توقير الصديق الثاني، وجدنا بالدرجة الأولى ضياع البوصلة هو الرمز الأبرز في ما يسمى "عصر السرعة" و"عصر الروابط"، حيث تتوزع ساعات اليوم على مساحات تنقضي في الراحة والأعمال البيولوجية والمهنية، والتهيئة لكل منها، ثم عمل ما لا بد من عمله (في الإطار الاجتماعي والنفسي). وهذه العناصر الرئيسة تلتهم ما يقترب من 22 ساعة من ساعات اليوم في المدن المكتظة، وربما وصل إلى أقل من ذلك في الأرياف والمدن الصغيرة، لكنه توفير يرتبط بالتزامات تزداد فيما يخص اللازم عمله اجتماعياً. لكن ذلك التفتيش كانت فيه محاباة للبيئات الشرقية؛ فقد وجدت لدى شعوب أخرى استغلالاً لوقت التهيئة المرتبطة بالأعمال البيولوجية والمهنية باستخدام المواصلات العامة في حشد المزيد من الوقت لغذاء الروح، واستثمار الإجازات وأواخر الأسبوع لضرب مواعيد منتظمة معهم. وماذا عن مصيبة "التشتت" التي ضربت أطنابها في المجتمعات الحديثة، وحدّت من القدرة على الالتفات لما يبعد قليلاً عن موقع المرء الجغرافي؟ وماذا عن المتابعات الالكترونية، التي لم تعد تترك للإنسان الحديث فرصة للخلاص من ردّ هنا واطلاع هناك؛ من بريد الكتروني يتوقع كلٌ من كلٍ أن يطلعوا عليه، ويردوا بما يرون، حتى وإن كان ذلك الاطلاع سيأخذ كثيراً من الوقت. فلا يوجد مصدر واحد لصناعة هذا الإشغال وظاهرة "التشتت" في الأشياء الصغيرة، التي تبتلع الوقت، وصفاء الذهن اللازم لاستغلال ما يتبقى منه بعد ذلك!.