محمد الصويغ

وخطر التقسيمات الطائفية

في ظل ما تشهده بعض دول المنطقة العربية من صراعات عرقية وطائفية ضارية، وما تشهده أيضا من حركات إرهابية متمثلة في عدة تنظيمات أشهرها: القاعدة، داعش والنصرة، وتلك حركات لها صفة التمدد -الأخطبوطي- وسيطرتها في معظم الحالات والأحوال على مناطق عديدة في العراق ولبنان واليمن وسوريا، وما تشهده المنطقة -في ذات الوقت- من تدخلات عسكرية دولية؛ للاجهاز على دولة البغدادي التي تسعى داعش لإقامتها في العراق وسوريا، رغم أن تلك التدخلات تجهل أو تتجاهل محاربتها لكل التنظيمات الإرهابية في المنطقة، أي أن تدخلاتها ذات طابع - انتقائي - إن صح القول، وفي ظل ما تشهده المنطقة أيضا من توسع للنفوذ الإيراني في العراق وسوريا على وجه التحديد، وفي ظل استمرارية النظام الأسدي في إراقة مزيد من دماء ابناء شعبه وتدمير قراهم ومدنهم بدعم لا يخفى من الروس، الذين ما زالوا يزودونه بالأسلحة على مرأى من العالم وسمعه، وبدعم مباشر وغير مباشر من طهران.في ظل تلك المعطيات المشهودة بالعيون المجردة، يمكن القول بكثير من الصراحة، إن المنطقة قد تشهد تقسيما لكياناتها وفقا لقراءات سياسية وعسكرية، يقال إنها تسربت من -البنتاغون- على حين غفلة. وتقول تلك القراءة إن الهدف الكامن وراء المقترحات المطروحة في مفرداتها تصب في خانة إضعاف الجيوش العربية، التي تمتلك ترسانات من الأسلحة؛ تمهيدا لتدخلات لاحقة قد تأخذ شكلا من أشكال الاحتلال، كما أن الهدف أيضا يصب في إضعاف الدول العربية وتشكيلها من جديد، وفقا لذات المقترحات المطروحة خدمة للكيان الإسرائيلي والتمهيد لبسط نفوذه بشكل أكبر وتسهيل مهمة قضمه لأراض عربية جديدة.وتلك مخططات يبدو للوهلة الأولى أن ترويجها من خلال العديد من الوسائط الإعلامية، في الشرق والغرب، قد يعزى إلى الانقسامات الواضحة داخل بعض الدول العربية، وهي انقسامات أيديولوجية فكرية وعرقية وطائفية، وقد وصلت هذه الظاهرة في بعض صورها وأشكالها إلى مرحلة التجذر، بما يفتح شهية -المتدخلين- الى تقسيم بعض دول المنطقة الى دويلات لها طابعها العرقي والطائفي.وتبدو تلك المخططات واضحة للعيان إذا ما أمكن الرجوع إلى قراءة نظرية -الفوضى الهدامة- التي رسم ملامحها المحافظون الصهاينة في الولايات المتحدة، وتلك نظرية خبيثة وموغلة في العدوان على العالم العربي بأسره، وقد حدد أولئك المحافظون معالمها من خلال تدمير الكيانات العربية عن طريق تشويه صورة الإسلام ليس أمام الرأي العام الغربي فحسب، بل أمام الرأي العام العربي أيضا، بتشجيع التنظيمات الإرهابية على ممارسة جرائمها البشعة باسم الإسلام، وإذا أدركنا يقينا أن القرار الأمريكي مغلف -في العادة- بما تمليه اللوبيات الصهيونية؛ استطعنا أن ندرك -دون مشقة أو عناء- أن سياسات واشنطن الخارجية تخدم المصالح الإسرائيلية بشكل أو آخر حتى وان كان ذلك على حساب المصالح الأمريكية في المنطقة أو على حساب مصالح شعوب المنطقة أيضا.ونظرية -الفوضى الهدامة- التي رفعها الصهاينة تبدو واضحة المعالم في ضوء تشجيعها الذي قد يخفى أحيانا على بعض المراقبين السياسيين لدول الحلفاء، كي تعمد لتوجيه ضرباتها لتنظيم إرهابي بعينه وهو «داعش» بينما تترك بعض التنظيمات الإرهابية كالنظام الأسدي تعيث في الأرض خرابا وتدميرا، فالنظام كما هو واضح يشارك بطريقة فعلية وفاعلة للوصول الى فكرة التقسيمات العرقية والطائفية، والأمثلة على ذلك قد لا تعد أو تحصى، كما أن الحلفاء من جانب آخر يمضون قدما لتحقيق مفردات تلك النظرية الصهيونية على أرض الواقع، فهم عندما عمدوا الى قصف مواقع القبائل في اليمن مهدوا للتمدد الحوثي في منطقة رداع، وعندما زودوا الميليشيات الطائفية العراقية بالأسلحة المتطورة صبوا المزيد من الزيت على النار؛ لإحراق العراق تنفيذا لتقسيمه، وعندما يغيرون على مواقع قوى المعارضة السورية فإنهم يترجمون مفردات تلك النظرية الصهيونية بحذافيرها وصولا إلى تحقيق سياسة التقسيم.وإذا كانت بنود تلك النظرية بكل تفاصيلها وجزئياتها تحدث على الأرض، فإن من العبث أن يتغافل العرب أو يغفلوا عن النظر إلى واقعهم بجدية ومسؤولية لوقف انتشار تلك النظرية وتحركاتها الخطيرة، فالانهيار قادم؛ إن لم يستيقظ العرب من غفوتهم الطويلة، فالتآمر الإسرائيلي على مصالحهم مكشوف أمام العالم بأسره ولا مجال لتهويله أو المبالغة في الكشف عن مساراته الخفية والظاهرة.ان ما يرسمه الصهاينة من خلال نظريتهم العدوانية على الأمة العربية، يهدد بقيام مخطط التقسيم لتفتيت قواها سياسيا وعسكريا، وهو مخطط مخيف تنفذ مراحله في وقت يهيم العرب فيه وراء أوهامهم وأحلامهم وخيالاتهم، فمصالحهم مهددة ومستقبلهم غامض وأراضيهم في طريقها الى التقسيم، فهل تراهم يستيقظون من غفلتهم قبل فوات الأوان وقبل أن يقع الفأس في الرأس؟