هند مقبل المسند

غش أكاديمي .. وتوبة سجين

من منا لا يعرف كلمة غش أو غشاش .. ومن منا لم تمر هذه المرحلة في حياته .. ومن منا لم يقع فيها سواء أكان الغاش أو المغشش .. أو الناظر لهم والعالم بأمرهم دون الإبلاغ عنهم .. والسجين بتهمة كبيرة أو صغيرة كلمة حتى الصغير في جيلنا هذا يعرفها.. فهي ثقافات كانت ومازالت تدرس في المنازل والمدارس والشوارع حتى ينشأ الفتى حاملاً هذه الثقافات شاء أم أبى.. مستعملاً إياها أم رافضاً لها. المهم أن عقله وفكره يحوي هذه الأمور .. طالب ترشح لأن يكون معيداً في جامعة من جامعات المملكة وهو أمر سعى إليه حثيثاً طوال فترة دراسته ولست أقصد هنا التحصيل العلمي أو العملي، لكن حتى في الأنشطة الطلابية والمؤتمرات الخارجية ومسابقات وزارة التعليم العالي ولم يقف عند هذه الحدود، بل كانت رغبة جميع المناطق العملية التي طبق بها تريده موظفاً لديها لما رأوه من علامات واضحة على تفوقه وتفانيه حتى أصبح مضرب المثل في النشاط والتفوق والمشاركة. ولم يثن ذلك أساتذته من زرع الأمل في نفسه سنة تلو السنة من أنه المعيد المنتظر بعد تخرجه .. ترك جميع الفرص تمر بين يديه منتظرا الموعد المنشود ليستطيع أن يخدم جامعته كما خدمته وأن يغرس ما بداخله من قيم جميلة لمن سيأتي بعده. وكانت اللحظة التي وضع فيها أوراقه مودعا جامعته والكل يربت على ظهره ويقول: قريباً أنت معنا .. وحين حانت الفرصة وكان التقديم، إذ ببقعة زيت تلوح بالأفق وتظهر للعيان بعد أن كانت قابعة بالأسفل .. ويُرفض لأنه غش في السنة الثانية من دراسته. ولم يثبت عليه ذلك الأمر، بل إن ما وجد أسفل مقعده لا يمت للاختبار بصلة أبداً، لكنها كلمة الأستاذ الأجنبي ضد الطالب، وكان ما كان وحُفظت الواقعة، ومن قال له: قريباً ستكون بيننا هو من قال: كيف يمكن أن يكون بيننا غشاش؟ وكانت بقعة الزيت كافية لأن تطمس تحتها جميع الامتيازات الأخرى لهذا الطالب .. للأسف.ولم يطرأ على بالي إلا موقف السجين الذي قبع في السجن سنوات طويلة ليكفر عن ذنب بسيط قد يكون فعله أو لا .. ليخرج مجدداً العهد ببداية جديدة، لكن يأبى المجتمع والمديرون وأصحاب الشركات مساعدته أو توظيفه أو حتى تزويجه، لأنه كان في السجن. أين نحن وأين ثقافتنا وإلى أين سنصل حين نقصي المستحق ونضع غيره ؟ أين نحن من ثقافة التسامح والتغافل والنسيان حين نرى علامات التوبة الحق .. أين نحن من ذلك الأكاديمي الأجنبي الذي وقف أمام طلابه ليقول: لولا تلك القصاصة لضاع مستقبلي .. ويقصد هنا أنه في سنته الأولى أراد أن يغش فلما رآه أستاذه أخذ القصاصة، وقال له: أنت أجدر من ذلك .. فكان العزم والتصميم .. حتى أصبح رئيساً لقسمه فكانت القصاصة فخراً له .. وشتان بين هذا وذاك.عذراً أيها الطالب فمازلنا لا تنشر ثقافة النصح وتقبل التوبة والنظر للمستقبل .. عذراً فأنت من سيحاسب وسيقع عليه اللوم والمحاسبة وغيرك ممن كان غشهم سبباً في موت الملايين من أبنائنا وأمهاتنا وآبائنا سيترك. عذراً فأنت من سيقع عليك سياط الرفض وسيترك غيرك ممن استمروا في الغش حتى بعد أن أصبحوا أكاديميين .. لأن ثقافة الغش مازالت لدينا قصاصة ورق. عذراً أيها الطالب فأنت سجين الآن، وستظل سجينا في ظل هذه الورقة حتى وإن أعلنت توبتك .. وتفانيت في عطائك وبذلت في اجتهادك، وأصبحت مميزاً دون دفعتك. عذراً فأنت سجين حتى لو تبت.