محمد العلي

خطاب إلى التفاؤل

كنا نحلق بجناحيك فوق حدائق الأحلام المعلقة ونفتح الأبواب الموصدة بأطياف مفاتحيك التي تملأ أيدينا ونزرع الصحاري بأخيلة ربيعك قادما من بعيد.. كنا أطفالا نسبح في السراب ونصنع منك دمى نلهو بها وتلهو بنا.. كنا في حماسة المراهقة نهزم بسيوفك المغمدة في الغيب كل جيوش الأعداء وننضج جلودهم «قبل نضج التين والعنب» ونقرأ كل يوم:ملأنا البر حتى ضاق عناوظهر البحر نملؤه سفينالقد رأيتك ذات مرة تمشي مختالا في شوارع تونس وذلك الأشيب يخاطبك بحرارة قائلا: (لقد هرمنا في انتظار هذه اللحظة التاريخية) ورأيتك محمولا على الأعناق في ميدان التحرير القاهري.. فأين ذهبت بعد عرس الأمل هذا؟ستقول لي: إنها قوى الظلام التي شحذت كل أنيابها وحاولت أن تحيلني إلى عصف مأكول فتواريت عنها.. أو فررت منها إذا شئت تعبيرا أشد دلالة.. وسأقول لك: ألا تخجل من هذا الاعتراف الذليل؟! ألم تقرأ قول المتنبي:ليس عزما ما مرّض المرء فيهليس هما ما عاق عنه الظلام؟!بلى قرأت قول المتنبي هذا.. بل إني أحفظ القصيدة عن ظهر قلب وترتعد فرائصي حين أمر على هذا البيت:ذل من يغبط الذليل بعيشرب عيش أخف منه الحماملقد قال المتنبي هذا وأنا أملأ جوانحه إباء وشمما.. كذلك لم يبق شاعر إلا مررت به أو مر بي غير أني لا أعول على شاعر هنا وشويعر هناك.. بل أعول على الإرادة الجماعية وهي إرادة متموجة أو هي في بعض المجتمعات ضائعة بين المد والجزر بخلاف المجتمعات الناضجة فهي هناك في صعود دائم، وألفت نظرك إلى قراءة ما قال ريلكة:«شذب شجيرات العوسجبرعما برعما..وستبزغ أزهار اللوتسطوعا وعلى رسلهاإنها تنتظر سلفافي العراء البريءفي الصورة الأولى للضوءسيكون زهر اللوتسهو أنت».* كاتب