عبدالعزيز اليوسف

الحج ليس عبادة تقليدية!!

هي حجة واحدة مفروضة، ومن تزود فخير له، الحج ليس عبادة عابرة، او طاعة بسيطة، أو قربى سهلة، بل هو سلوك إيماني، منضبط، ومركز، ولون من التدريب العملي للوصول إلى مثالية نقية وخالصة تستفز فينا العقيدة، والعاطفة، والأخلاق، والتوجهات، والسلوك والاندماج في حراك ديني يملأ القلوب بحب الله والإقبال عليه، والإخبات له.ولا غرابة في أن تتميز عبادة الحج عن العبادات، وتتفرد بقيمتها الظاهرة في ذات الحاج، او في نفس المتابع من بعد، حيث جمعت تلك العبادة عبادات أخرى حولها صلاة، صوماً، صدقة، أعمال بر، بل إن أجر خدمة الحاج لن يتيسر لغيره من غير الحجاج مما يعني ان موسم الحج يختص به.وكون ان تلك العبادة الكريمة تتجلى بتنظيم الإنسان في عمل مخصوص، ومكان مخصوص، وزمن مخصوص، ولبس مخصوص، فيشارك بقلبه، وبدنه، وعقله، وماله، يعني أن تؤدى كما يجب أن تؤدى، وبإخلاص تام، وأعمال كاملة، ونيات طيبة، وظنون حسنة،حين تحضر بعض المجالس تجد البعض ممن حج قديما بدأ يفكر في ان يعيد حجته حيث إن الشك ملأ قلبه بأنها لم تكن «حجة الإسلام» على حد قوله، وداخلته كثير من الظنون بالتقصير، أو الغفلة، أو عدم الإتمام في أمر ما، فتجد الحسرة والتندم ترهق ذهنه وقلبه.الحج فريضة دقيقة، وعبادة معلومة ومنضبطة، وطاعات كريمة، فليس هو مغامرة، أو رحلة برية يستمتع فيها المرء اعتباطا، بل إن المتعة في أدائها على الوجه المطلوب، حيث إنها لمرة في العمر فيتوجب أداؤها بأشد الحرص والهدوء، ويجب الابتعاد عن ثقافة الإزعاج والتقليل من شأن وقدر الحجيج وقصة «نفسي نفسي» ولا يهمني أحد، لذا فمن الواجب ألا يجعل احدنا هذا النسك العظيم مجالا لإفساده سواء بالمنهيات من القول والفعل، أو بالاجتهادات الخاطئة التي تعيده إلى دائرة القصور والخطأ، وعلينا مساعدة ودعم هؤلاء الحجيج القادمين من أقطار بعيدة فتلك عبادة أخرى .أحدهم يتباحث ويفكر أين سيقضي إجازة عيد الأضحى، فيستعرض خيارات السفر لديه، ويتفحص ذلك العزيز حجز خطوط الطيران المختلفة لهذه الدولة، أو تلك، ويبحث عن مقاعد شاغرة، وفنادق متاحة، مع انه لم يقض فريضة الحج ولم يدخل في رأسه ان يقضيها، تسأله: لمَ يا عزيزنا لا تحج ما دمت قادرا مستطيعا وتخطط لسفر المتعة، فيقول بصوت مستفز: لا تشغلنا «ما هيأت نفسي للحج» فتسحب عقلك من أمامه وتتذكر آية عظيمة في قوله تعالى (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا).قد يبدو لبعض العقول الهشة أن الحج عبادة تقليدية غير مفهومة المعنى، ولا ظاهرة الحكمة، وهذا الفكر الضيق يقود إلى عدم التبصر، وفقدان البصيرة قبل البصر، بل يصل به إلى شرخ العقيدة داخله فيكون صيدا ثمينا لشيطانه «فيشيّطنه»، لذا عليه أن يعود إلى مدركات الانقياد والاستسلام لله عز وجل فيما يأمر وعما ينهي لكي يطيب قلبه.ما يقدمه وطننا الغالي للحاج لا منّة فيه فنحن خدام لضيوف الرحمن وللحرمين الشريفين، ولكني أجد أن يستثمر هذا التجمع البشري الكبير إعلامياً لبناء صورة المملكة العربية السعودية الايجابية لنقلها إلى كل البقاع التي أتى منها الحجيج، فمثلا لو تم إهداء الحجيج «سيديهات» متضمنة مشاهدة ومقاطع تثقيفية عن المملكة وتطورها وواقعها، وكذلك لما يتم تقديمه في الحج من خدمات عامة، فاستثمار المناسبات ايجابيا هو ضرورة وهدف .ختام القول: الحج هو أضخم مناسبة بشرية على وجه الأرض، وفيه منافع مختلفة من العبادات وغيرها، فالالتزام الكريم هو الخيار الراشد لكل حاج فلا يفرط فيه فيندم بعدها، ومن لم يحج وهو مقتدر فعليه بالمبادرة، وعلينا ألا نتنافس على اختراق الانظمة، وتجاوزها، وتحدّيها بل نمتثل محتسبين الأجر، تقبل الله من الجميع.