الخوض العشوائي
الحديث عن البدع يطول واجتهادات علماء الدين في هذا المجال كثيرة، ولاتساع هذا الباب وكثرة المجتهدين فيه نرى كثيراً من هذه الاجتهادات لا تفرق بين ما هو ديني ودنيوي، في خلط واضح بين البدع ومستجدات الحياة، مع ان البدع ارتبطت بالدين كما في الحديث: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) وفي رواية أخرى (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد). والأمر هنا هو أمر الله جلت قدرته وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، وما عدا ذلك فهو خاضع للاجتهاد والقياس، ولأن جميع أمور المسلمين تجري على هذا المنوال كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة) فالبدع كما قلنا مقتصرة على أمر الله سبحانه وتعالى، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، وما عدا ذلك من أمور الحياة فهو مرتبط بمصالح المسلمين، وما تمليه عليهم الحياة من سلوكيات مرهونة بعدم التجاوزات الدينية، وهذه الأمور تتغير بتغير الزمان والمكان، بينما يظل الدين بثوابته هو الحكم في كل ما يقوم به الإنسان من تصرفات تصبح مع مرور الزمن عادات وتقاليد ما اتفق منها مع الدين فهو مقبول، وما تعارض معه فهو مرفوض، مما يعني أن العبادات شيء والعادات شيء آخر، ولا يمكن أن نخلط بين العادات والعبادات في كل الأمر، والمقصود هنا من العادات ما لا يتعارض منها مع تعاليم الدين الحنيف، ولا يجلب الضرر للنفس ولا للآخرين.وكثيرة هي الأمور التي يقال عنها في بداية ظهورها أنها بدعة، ومع مرور الزمن تصبح عادة ذات منفعة يستفيد منها الناس بشكل أو بآخر، بل إن من يقف في وجهها مع بداية ظهورها، يصبح لاحقا من المتحمسين والداعمين لها، بعد ان تثبت فائدتها، ولأن كل بدعة ضلالة فإن تجنبها يصبح من الأولويات لدى كل من حرص على دينه، لكن هذا لا يعني أن نقول عن كل جديد بدعة، أو عن كل عادة قارة في المجتمع بدعة، مادامت ممارستها لا تتعارض مع تعاليم الدين الحنيف. وقد تبلغ الحماسة بمن يعترض على بعض العادات إلى حد التبرير غير المنطقي لحكمه او لاجتهاده، وكأن الناس لا يميزون بين الخطأ والصواب، خاصة إذا بنى هذا الحكم على أمور ليست من اختصاصه، مثل الأمور الطبية أو الاقتصادية أو النفسية أو العلمية الأخرى، ولدينا في هذا المجال الكثيرون ممن يعتقدون أنهم ملمون بكل العلوم والآداب والفنون، فيغربون ويشرقون في أمور ليست من اختصاصهم، ولا ناقة لهم فيها ولا جمل، وهذا ليس اجتهادا، بل هو سعي لتبرير وجهة نظر قابلة للصواب والخطأ، ولا يمكن اعتبارها من باب الاجتهاد في الدين، والمؤسف أن هذا الخوض العشوائي في كل أمور الحياة غالبا ما تنجم عنه فتاوى لا تلبث أن تجد من يتصدى لها بفتاوى مضادة – إن صح التعبير – أو هي متناقضة في مجملها مع ما سبقها في مجالها، مما يحدث البلبلة في العقول وعدم الاطمئنان في النفوس.الفرق بين العبادات والعادات واضح، وإذا التبس على المسلمين أمر فيها، فالمرجع هو جهة رسمية مختصة، وليس اجتهادات شخصية تنقصها شروط الاجتهاد ودقته، لأن في ذلك تضييقاً في الدين، وحجراً على عقول الناس، وتهميشاً لها في قبول أو رفض ما ينفعهم أو يضرهم، خاصة مع استمرار مستجدات الحياة، وهي مستجدات لا علاقة لها (بمحدثات) الأمور الدينية، وإن خضعت في النهاية للشروط العامة التي يفرضها الدين على الناس في حياتهم العامة، لكنه الخضوع الذي لا يبرر لكل إنسان تشديد قبضته على رقاب الناس لحد الاختناق، بحجة الحرص على الدين، وبأساليب غير مقبولة شرعا لما تنطوي عليه من غلو جلب الكثير من الضرر على المسلمين عبر تاريخهم الطويل. مما يمكن تسميته بالاجتهادات المتطرفة.تظل العبادات خاضعة لتعاليم ربانية راسخة في وجدان الأمة، بينما تظل العادات مجرد ممارسات شخصية أو جماعية تتغير في كل زمان ومكان، بتغير الأقاليم والناس ومستجدات الحياة، بعيدا عن الغلو والتطرف.