بلاغةٌ جامدة في عالمٍ متحول
بداية، لا بد من الإشارة إلى أن السطور التالية ليست سوى امتداد لكتابةٍ سابقة بعنوان «العيش تحت مظلة لغوية». والعيش تحت مظلة البلاغة أو اللغة، يعني العيش على الأقوال لا الأفعال، ويعني اجترار الحكايات، والغرق في بحر من النصوص والخطب والشعارات والأشعار. هنا تصبح البلاغة قوتا يوميا. واللغة بديلا للحياة، فكأن ما قيل قد أنجز. لذلك يعتبر ثيودور روزفلت البلاغةَ بديلا بائسا للعمل، فيخاطب شعبه قائلا: «إذا أردنا أن نكون أمة عظيمة فعلينا أن نحوّل الأقوالَ إلى أفعال». وفي الحكاية التالية ما يخدم هذه الفكرة: قِيلَ «إن أحدهم قد بعث ابنه لدراسة الطب في الخارج. إلا أن الابن قد غير تخصصه فدرس الفلسفة. ولما عاد إلى البلد استقبله الأب أجمل استقبال، وجهز له عيادة ليمارس فيها عمله كطبيب. وبينما هما يتناولان الطعام معا، صارح الابن أباه بأنه كان طيلة تلك المدة يدرس الفلسفة لا الطب. فسأل الأب ابنه وهو في ذروة الذهول عن طبيعة الفلسفة وجدواها. وكان على المائدة دجاجة واحدة، فقال الابن: يمكنني أن أتفلسف وأثبت لك أن هذه الدجاجة التي أمامنا دجاجتان. عندئذ استحوذ الأب الغاضب على الدجاجة كاملة وقال: سآكل أنا هذه الدجاجة، أما أنت فكُلْ الدجاجةَ التي ستثبت لي وجودها».!تعريف الابن للفلسفة سيئ، لكن النكات لا تعارض. والعلة ليست في الفلسفة أو اللغة أو البلاغة. لأنها مجرد أوعية تنضح بأفكارنا. تكمن العلة في بنية التفكير التي تعنى بـ «المجرَّد» وتهمل الواقع الملموس، وفي اللغة المجترة التي لا توسع حدود المعرفة، ولا تتيح مجالا للإبداع. الإشكال في حكاية الأب وابنه المتفلسف ليست في الفلسفة. فالفلسفة فضاء لا يحد من الأسئلة، والفيلسوف هو الذي يعرف أنه لا يعرف شيئا. ومن ثمَ فهو «ينكر على نفسه حق الإقامة في المعرفة المطلقة» كما يعبر أحد الفلاسفة. لذلك فإن المأزق التاريخي الراهن يستدعي إشاعة ثقافة الأسئلة، بعد أن قطعت الأجوبة الجاهزة قولَ كل خطيب، وأغلقت النوافذ والأبواب، وحالت دون تسلل شمس المعرفة، وهواء الثقافة الحية النقية. يتعذر مواجهة تحديات الواقع بالبلاغة وحدها، لذلك تعمل المجتمعات التي بلغت سن الرشد على قراءة الواقع وحقائقه متخذة من اللغة وسيلة بحث وبوصلة استكشاف. البلاغة منتجة وفعالة إذا وُظِّفت لتكريس قيم الجمال والعدالة والحرية، وواكبت روح العصر ولامست الواقع، لكنها قاتلة إذا استخدمت لتغييب الوعي، والضحك على العقول، وتكريس التخلف والانغلاق، وتفريخ العنف والإرهاب. إضافة إلى تلك البلاغة القاتلة، هنالك بلاغة الساسة التي تَعِد بالمن والسلوى، وتترك مستهلكيها بلا مأوى. وكذلك لغة التجمل المراوغة التي لا تقول الحقيقة، بل تزوّق الحاضر وتلمّع الماضي ولا تشير إلى المستقبل، وقد تصور الفشل نجاحا، والهزيمة نصرا. زخارف لفظية وبالونات ملونة تخاطب العاطفة وتمتهن العقل. في حين يكون للواقع لغة أخرى. نعم. لقد شَغَلَتنا عن قراءة الواقع قراءة صحيحة «قصيدةٌ قالها عمرو بن كلثوم» أو ما شابه تلك القصيدة من عنتريات ومبالغات ولافتات وعصبيات. في مقابل ذلك، لم تقنع المجتمعات التي بلغت سن الرشد بالعيش في كهف البلاغة، بل رجَّحت كفة العمل، فاستحوذت على الدجاجة كاملة، وتركت الأخرى الوهمية لغيرها!!* متخصص في الإدارة الدولية المقارنة