عندما تعشق المرأة!
حديثي اليوم إليكم عن امرأة قلّ أن يكون مثلها في زمانها أو حتى في أزمنة أتت بعدها. لقد عاشت حياتين متناقضتين، وبعيدتين كل البعد عن بعضهما، كبعد السماء عن الأرض. حياتها الأولى كانت حياة ترف ونعيم ودلال، تطلبُ فيأتيها ما تريد من دون عناء ولا تعب ولو كان في الصين، كيف لا وأبوها خليفة للمسلمين، وجدها من قبل كان كذلك خليفة، ثم زوجها صار خليفة أيضا. وزيادة على ذلك فقد أصبح أربعة من اخوتها خلفاء. ثم يشاء الله أن يكون اثنان من أبناء اخوتها خلفاء، فصار مجموع من كان خليفة من أهل بيتها تسعة!. ألا يحق لها بعد ذلك أن تعيش في النعيم في كل ساعة ولحظة، بلى!. تلك كانت حياتها في المشهد الأول، والذي لا يحدثنا التاريخ عنه كثيرا لأنها حياة ضحلة سطحية، فلماذا يذكرها؟!. ولكن دوام الحال من المحال، فقد تبدلت الأيام، وتركت كل تلك الأموال والزينة والقصور، وأصبحت بعد ذلك لا تجد من الطعام إلا قليلا، هل تعلمون لماذا تبدل الحال، لقد تغيرت من أجل الحب!!، نعم الحب ولكن ليس كالحب الذي نسمع عنه في الروايات الخيالية الذي يذبل من أول شدة، أو مصيبة أو مشكلة، كلا لقد أحبت من أجل الله ثم لعشقها وهيامها بزوجها، فقد كانت تعشقه كالعشق الذي يحضن الطيور في أعشاشها، لقد أحبته في السراء كما أحبته في الضراء، كلها عندها سواء، ولأنها أحبته كما لم تحب امرأة رجلا فقد تنازلت عن كل شيء عندما خيرها بين أن تبقى معه على شظف العيش أو بين نعيم القصور، فاختارت أن تكون معه في ضيق العيش يتقاسمان الحب والحنان على رغيف يابس، وذلك هو أجمل الحب وأسماه، ولكن أنى لنا أن نعرفه أو نحس به، إذا لم نقع به!. وكما جرت العادة فقد عاتبها كل من حولها بعد تبدل الأحوال، كأنهم يقولون لها بلسان عصرنا، أين تلك الموديلات والعطورات وعمليات التجميل، ولكن ولسان حالها كان يقول: كله يهون من أجله. ولما مات عنها زوجها هل تعتقدون أنها ببساطة نسيته أو حاولت أن تتناساه، أو قالت لنفسها: ارجع إلى ما كنت عليه، فهو قد مات، والحي أبقى من الميت كما يقولون، كلا إنه وفاء قلب وروح، وقد خيرها أخوها بعد أن صار خليفة أن يرد إليها كل متاعها ومجوهراتها وزينتها، فقالت كلمة باقية في قصص الحب الصادقة عبر التاريخ، كلمة رددتها بصدق وحرارة وشوق: ما كنت لأطيعه حيا واعصيه ميتا؟!.تلك المرأة التي أحبت بقلبها وروحها هي قصة حقيقية، وليست من نسج الخيال، وليست كما يلمعون لنا في الأفلام والمسلسلات، قصة حب هي أسمى وأعلى من قصة روميو وجوليت، وقصة مجنون ليلى، تلك رواية حب حقيقية ظل عبقها يفوح عبر التاريخ كانت بطلتها فاطمة بنت عبدالملك بن مروان، وبطلها عمر بن عبدالعزيز رحمهما الله.ولكن يبقى سؤال يحيرني لعلكم تخبرونني بجوابه: هل فعلا عندما تعشق المرأة تتنازل عن كل شيء، وعندما يعشق الرجل يريد كل شيء؟!.