د.ابراهيم العثيمين

العيد.. ولا مناص من السياسة

أخذت رشفة من قهوتي ثم أسندت ظهري على كرسي المكتب وقلت أنطعمهم كعكة السياسة وقد لاح في الأفق بشائر العيد أأرهقهم صعودا وسط جلبة الصغار وتكبيرات الكبير. ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم يا حنظلة ساعة وساعة. لم أشأ ان يكون يوم عيدنا تباكيا على هموم الأمة ومشكلاتها ولكن لا مناص من السياسة فأينما وليت وجهك فثمّ وجه السياسة، يداها في الشارع والميادين وقدماها في «صاجات» وأفران الكيك والحلويات. فوسط هذا التزاحم من الاحداث والازمات التي تمور بها المنطقة فلا مفر من السياسة التي ألقت بظلالها على أعياد الناس ولوثت فرحتهم وجعلتهم فاغري افواههم في دهشة سائلين كيف أمكن للسياسة الامساك بتلابيب العيد وجعلها تدور في محيطه. فغزة تلك الفتاة الحسناء ما زالت ملطخة بالدماء وسط زغاريد مكتومة وصرخات فرح لم تستطع أن تخرج من حناجر شبابها وشيوخها وسط برك دماء المدنيين العزل. وما ان تولي وجهك قبل الشام حتى ترى دمشق تلك الأرملة الحسناء التي ظلت لعقود في محرابها لا تسمع سوى تسبيحها وتحميدها يتهافت الجميع عليها وهي تأبى أن تكون إلا لأبنائها، ينهش عرضها ويذبح صغارها ولا تسمع سوى مآذنها وهي تصرخ وتبكي تعانق شهداءها. كم أصبحنا نستحي منك يا عروساً باتت توأد كل ليلة وهي تنتظر من يدفع فاتورة دمائها. وإذا وليت وجهك قبل مصر الحبيبة فلا تكاد ترى سوى الصاجات والافران وقد اختلطت بشعارات الشارع بكل مفرداته وتياراته بعجائن الكعك وخميرة الخبز. فبعد الاحداث السياسية المتأزمة التي مرت بها مصر الحبيبة لا تكاد ترى سائق تاكسي او صاحب الـ «توك توك» مرورا بمدير الأعمال والفنان يوم العيد الا وقد اطلت عليه السياسة بكامل زينتها وقالت هيت لك. اما الحديث عن بغداد فذو شجون حديث مثخن بالجراح المؤلمة تلك المدينة التي تغزلت بها ابيات الشعراء. بغداد المتنبي، بغداد السياب، بغداد الجواهري التي قال عنها ان في العبرات نطقا، يحير في بلاغته العقولا فان منعوا لساني عن مقال فما منعوا ضميري ان يقولا. كنت انا والدكتور ابو سعيد العراقي -احد الاصدقاء لما كنت ادرس في بريطانيا-، نتبادل المساجلات والمناكفات في مقهى (اسكواير) في بريطانيا في مدينة درم ذلك المقهى المطل على النهر فلما جاء ذكر العيد وبغداد تنهد الدكتور طويلا كالانفاس عند الموت وقال بصوت يحكي صداه زمنا بعيدا تجاوز الخمسة عقود، «عندما كنت صغيرا وأحسبني كنت في الابتدائي وقتها لم أتجاوز الثامنة او التاسعة كانت امي كعادتها قبل يوم العيد تأخذني بيدها الى سوق البزازين على ما اظن او القزازين وهو سوق معروف ببيع الاقمشة. كنا نذهب الى محل بذاته في زاوية السوق حيث العم عامر على ما اذكر شيخا أثقلت ظهره السنون ورسمت تجاعيده بعناية ولكنها لم تذهب قواه فنشتري منه دشداشة (مقلمة) حتى ابدو كالرجال كما كانت تكرر أمي. كان يشدني كثيرا الكيس الذي كان يوضع فيه الدشداشة كان يبدو لي غريبا. كان هذا الكيس أخضر غامقا تعلوه على اليمين بقعة سوداء مكتوب عليها اسم المحل. ما ان نصل الى البيت حتى اسرع الى تقبيل رأس أمي سريعا وآخذ منها الكيس اشمه، ألمسه اضعه على حضنى حتى يجن الليل فاذا جاء الليل اخذت الدشداشة ووضعتها تحت مخدتي مغلفة بعيدية والدتي. كانت والدتي قبل ان أنام تقبلني ثم تقول لا لا تزعل الدشداشة «بعدين» العيد يزعل عليك أو غيرها من الكلمات المضحكة». سبق لي نشر هذا المقال هنا وأعيد نشره مع بعض التصريف