هيا نتعلم من الراعي السوداني
كثيرون قد يظهرون معاني جميلة وقيما نبيلة وفضائل سامية، ويشهد لهم بذلك سلوكياتهم وتصرفاتهم خلال تعاملهم مع من حولهم، أي انهم يكونون أكثر إنسانية وجمالا إنسانيا نقيا بلا رتوش وماكياج وتجميل، وإنما على السجية أو الفطرة والطبيعة البشرية، وذلك كفيل بأن يجعلهم محل التقدير والاحترام والنموذج الذي يقتدي به الآخرون، وهم ليسوا قلّة رغم أننا في زمن صعب وحياة معقدة وليست بسيطة مطلقا، تتراجع فيها القيم والأخلاق والمثاليات التي تجعل بعضنا يشرق بأجمل ما في الأنفس من ثبات على الصفات النبيلة والأخلاق الرفيعة.ما يقودني الى ذلك قصة الراعي السوداني البسيط التي انتشرت على نطاق واسع في الفضاء الإلكتروني ووسائل الإعلام، ولمن لم يطلع على تلك القصة أوجزها في أن رجلين كانا يتجولان في البر وتصادف أن مرّا براعي أغنام سوداني وأرادا أن يمازحاه في أمانته، فطلبا منه أن يعطيهما إحدى الأغنام ولكنه رفض باعتبار أنه لا يملكها، ثم عرضا عليه مائتي ريال مقابلها، فكرر رفضه بصورة قاطعة وزاد أنهما لو منحاه مائتي ألف ما فرّط في أمانته لصاحب الأغنام، وقالا له انه لا يراه أحد، فقال: الله يراني، وبصورة عامة كان المشهد عفويا وبريئا وغير متكلف من الطرفين.والشاهد في قصة هذا الراعي البسيط أنه رغم البؤس الظاهر في حاله ظل متمسكا بمبدئه الرافض لخيانة الأمانة رغم إغرائه وإخفاء الواقعة كلها دون أن يعلم بها أحد أو "كفيله" صاحب الحلال، وهو بهذا قدّم درسا بليغا لأولئك الذين يطمعون في اكتناز الدرهم والدينار بأي صورة من الصور، وقد يضطرهم ذلك لبيع أنفسهم من أجل أن يحصلوا على "مبلغ من المال" كالذي رفضه الراعي السوداني بكل إباء وعزة نفس وقيم راسخة في وجدانه، وهنا تبرز عظمة الدرس، فلو أن شخصا ميسورا رفض بذات النهج لكان الأمر عاديا، ولكن أن يرفضه شخص متواضع الحال ويعمل في ظروف شاقة وصعبة في بيئة ليس بها سوى أغنامه والله معهم، فذلك ما يعزز فكرة مثالية السلوك والتصرف.من الصعب إحصاء المثل والقيم التي منحنا لها هذا الراعي، ولكن لنتتبعها على سبيل الاستشهاد وذكر محاسن النفس وطيب معدنها، ومن ذلك: العفة، الأمانة، الزهد، التقوى، الورع، الإخلاص، الصدق، التواضع، الكسب الحلال، الشرف، النزاهة، عزة النفس، البساطة، قوة الإيمان، اليقين، طيب النفس، الرضا، النقاء، الطهر، وسلسلة تمتد بحسن صنيع الراعي واستحقاقه أرقى وأرفع ميداليات الشرف والنموذج الفاضل الذي نحتاجه ويظهر لنا ليؤكد أن فينا وبيننا من لا يزالون متمسكين بالقيم والمبادئ رغم أنهم لم يحصلوا على الشهادات العلمية، فالحياة والقليل من الوازع الديني يكفيان لأن نحيا حياة شريفة نشعر فيها بمراقبة الله فنبسط في واقعنا أجمل وأنبل القيم الإنسانية التي يربينا عليها ديننا.ليتنا نتعلم أن الجري وراء الدرهم والدينار ليس منتهى طموحاتنا وسعينا في الحياة، فأرزاقنا مكتوبة ولن نأخذ أكثر منها، فلنهوّن على أنفسنا ولا نتعجل الكسب بكل الطرق غير المشروعة فنكسب آثاما وأوزارا بدلا من أموال تهلكنا في طلبها، فنضيع دنيانا وآخرتنا، ولذلك لنتعلم الدرس من هذا الراعي لأنه ما من درس أوضح وأبلغ منه.