عمران في رمضان !
يظن البعض أن شهر رمضان هدية لنا من أجل الدعة والراحة لأننا معذورون بالصيام! وأنه إجازة سنوية للنوم ومعانقة للمخاد والمفارش! لكن ذلك ليس صحيحا أبدا على أقل تقدير من وجهة نظر أجيال سابقة كان لها انجازات ومواقف مشرفة خلال هذا الشهر. دعونا نلقي نظرة سريعة على ذلك بما يسمح به المقام والمقال من خلال وقائع وأحداث، وليس من خلال المشاعر والعواطف.نعم قد تكون تلك الانجازات التي سنذكرها متفاوتة في درجاتها من حيث القوة والهمة مقارنة ببعضها البعض، ومن حيث إنها شخصية والبعض الآخر أممية، لكنها كلها تؤكد على فكرة واحدة، وهي أن شهر رمضان كان ومازال للبذل والعطاء من أجل المساهمة في الانجازات. أما على المستوى الأممي فقد وقعت المعركة الأولى والخالدة في هذا الشهر الكريم ألا وهي معركة بدر الكبرى، ثم تلاها فتح الفتوح وهو فتح مكة المكرمة. وبعد ذلك تتوالى سلسلة الانتصارات غير المنقطعة عبر التاريخ من بلاط الشهداء مرورا بمعركة فتح عمورية، ومن ثم معركة حطين، وبعدها جاء الانتصار المدوي في عين جالوت، حيث انهزم الزحف المغولي لأول مرة في التاريخ. وفي العصر الحديث كان لسقوط خط بارليف المنيع الأثر البالغ في رفع المعنويات عاليا. كلها شواهد وقعت أحداثها في رمضان لتخبرنا أنه يمكن لنا الانجاز ولو كانت البطون خاوية مادامت القلوب والعقول ممتلئة!.وأما على مستوى نهضة البناء والعمران، فإن الجامع الأزهر قد وضع له حجر الأساس في رمضان 359 هجري، وتم الانتهاء من المشروع بعد سنتين فقط وفي نفس الشهر ، ولو كان ذلك في عصرنا على ما نملكه من وسائل حديثة في البناء، فهل كنا سننجزه في هذه المدة القصيرة. ربما انتظارنا لما بعد رمضان لوضع حجر الأساس! وهناك جامع قرطبة الذي شُرع في بناءه في بداية شهر رمضان.ومن المشاريع الضخمة في القرن الأول الهجري كان بناء مدينة القيروان، وقد استهل البناؤون المشروع في بداية الشهر المبارك بأمر من القائد الفاتح عقبة بن نافع، وفي زمن ليس بالبعيد كانت البدايات لتنفيذ مشروع قناة السويس الضخمة بأدوات بدائية يدوية في شهر رمضان أيضا.وإذا انتقلنا إلى مستوى شخصي، فلنضرب مثالا رياضيا بما أن العالم يعيش حمى كأس العالم، فهناك كثير من اللاعبين المسلمين في مونديال البرازيل رفضوا الإفطار. وبالمناسبة فإن معدل المسافة المقطوعة اللاعب ركضا في المباراة هو ما بين 7 إلى 9 كيلومترات.وإن كان هناك بعض الآراء والأعذار الغريبة تعطيهم الحق في الإفطار إلا أنهم تمسكوا بصيامهم، وفضلوا عدم التخاذل في ركن مهم من أركان الإسلام، وهذه رسالة حسنة وقوية إلى الآخرين في المونديال وفي العالم من غير المسلمين أن رمضان ليس شهر الضعف والتخاذل.أضف إلى ذلك أن هناك بعضا من الآراء الطبية التي أوضحت فوائد المشي أو الجري قبل الإفطار في المساعدة في حرق الدهون.صحيح أن الانجاز والعمران في رمضان يكون موجها إلى الروح والنفس في المقام الأول، لكن لا يمنع ذلك أبدا أن يكون هناك أيضا انجاز وعمران على المستوى البدني والعقلي ، لتكتمل الصورة الجميلة، وتشمل كل جوانب حياتنا المختلفة ، وكل قطاعاتنا العامة والخاصة.