د. محمد الغامدي

التسلط الذكوري .. الخطوة الأولى 2/2

سبق في المقال الأوّل، ان أكبر خلل يقع فيه من يتصدى للقضايا الحقوقية عموما، وقضايا المرأة في المجتمعات الإسلامية خصوصا، فيما يتصل بالإخلال باثنين مِن أصول خمسة سبقت:1- يجب أن نرجع إلى المصادر الأصلية بأدوات النظر الملازمة لعلوم الإسلام، وإلا فعلى من يُخالِف أن يُثبِتَ أن الأمة كانت لا تُحسن التعامل مع الوحي كِتابا وسُنة طوال القرون الخمسة عشر الماضية!2- أن ما يجري في أي بلد من البلدان الإسلامية لا يكون حُجّة لمُحتجّ، ولا مطعنا لطاعن في الإسلام ما خلا من دليل ثابت واضح الدلالة يعضده.وقد ظهر لي بجلاء أن توسيع نطاق الابتعاث- حتى في الدراسات العُليا- لبعض محدودي القدرات كان أهم مزلق جعل بعضهم يتخطّف أفكارا يمينية أو يسارية، فبعض الذين ابتعثوا لم يعرفوا بعدُ مجتمعهم الأم معرفة واعية، ولم يتصوّروه تصورا مُطابقا للواقع بمسببات سليمة، فكيف يبنون على هذا الأصل المنهار؟!ثم إنّ من أكبر المزالق وَلَع الغرب بكل «قراءة جديدة» حتى لو تناولت مسلمات شرعية ذات أدلّة قطعية، وإن خبرتي في تتبع كتابات طائفة من المستشرقين تجعلني أخلص إلى أنّ أغلبهم يخون أمانة القلم وهو يعلم، وعامتهم انتقائيون جدا وهم يخطبون في مسألة الحياد العلمي، وعقائديون جدا وهم يرفعون لافتات العلمنة وربما الإلحاد. وهل العلمانية حين تُفرض إلا عقيدة قبيحة تُجعل مسطرة للعقائد كما تفعل عامة «المؤسسات الدولية»؟!إن أصول ديننا وإجماعات فقهنا عصية على أي «قراءة جديدة»، ويجب على الباحث المُسلم أن يُبيّن للكافرين أن هذا أمر مفروغ منه، {قُل أَأنتم أعلم أم الله}، وأنه إن لم يقبل ذلك؛ فينبغي- منطقيا- أن يتحوّل الحوار ليكون عن أدلة كون الإسلام هو الدِّين الحق الذي لا باطل فيه.وعودة إلى أولى النقطتين أقول: إن على الباحث عن الحق (لا الباحث عن تأكيد تصوّر مُسبق) أن يبدأ بسؤالين مهمين يطرحهما على محاوره/ أُستاذه/ مُشرفه، ويُحرر إجابة لهما قبل البدء في هذا الضرب من الأبحاث:- هل مصدر التلقي عند المسلمين (الكِتاب والسُنة) محلّ تسليم واحتكام أم لا؟- هل يجب التقيّد بطريقة وأدوات النظر التي «أجمع» عليها عُلماء الإسلام في جميع القرون أم لا؟إن مجرد طرح السؤالين، والصدق في تصوّر ذلك، سيجعل «الباحث» يعلم ما عنده من إيمان بهذا الدِّين العظيم، كما أنه سيكشف له مدى قُدرته على النقد. إذ كيف أنقد ما لا أفهم؟ وكيف أحُكم على ما لم أعرفه حق المعرفة؟ صدق الله العظيم: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْۖ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ}.الإنسان حين يجهل شيئا مِن السهل أن يُعاديه، خاصة إذا تصوّر أنه يُهدد مصلحة له من أي نوع، أو أن التكذيب أو التغيير يمكن أن يمنحه فرصة للحصول على امتياز من أي نوع.إن ما كُتب في هذا المقال وسابقه إنما هو عرض لخطوة أولى (على حَدِّ ما في عنوانه) حاولت أن أبيّن ضعف أُسس التناول عند كثير ممّن يتجاسر تبني قضايا ذات بُعد شرعي، أو المناضلة من أجلها، أو البحث فيها.أما «صور من ظلم المرأة في مجتمعنا»؛ فهو موضوع المقال اللاحق إن شاء الله.