د. محمد حامد الغامدي

حياة لا تنطبق عليها الدروس

 هل تغير لباسك؟! هل تغسل جسمك؟! هل تتطيب؟! هل تهتم بمظهرك وأناقتك؟! إذا كنت تفعل، فهل سألت ذاتك: لماذا؟! قد تبحث عن إجابات متعددة. قد تحمل الإجابة مبررات ومرافعات. الجواب الأهم تملكه ذاتك، مستودع يحوي كل الأجوبة. الإجابات ثمار طرح الأسئلة. إذا استطعت طرح السؤال على ذاتك، فهذا يحرك الذات لإعطاء إجابة. لا يهم مدى صحتها وعمقها، لكنها تمثل نوع المارد، يظهر بوضوح من ذاتك مع كل تساؤل. الاجابة تحدد ملامح الشخصية وتفكيرها. أسئلة أخرى تحمل نفس المعاني: هل استبدلت أثاث بيتك؟! هل تغيرت أدوات الحياة؟! هل بقيت كما كانت عليه أيام جدك وأبيك؟!  هل تسكن في بيت حديث أم في بيت جدك الطيني والحجري، أم في بيت الشعر والعشّة؟! هل تتنقل بالسيارة أم بواسطة الدواب؟! هل تسافر بالطائرة أم بالمشي على الأقدام؟! هل سألت نفسك: لماذا استبدلت القديم بالحديث؟! لماذا جددت الحديث بالأحدث؟! إجاباتنا جاهزة، تحمل فلسفة لها أبعاد، قد لا يكون هناك فلسفة، لكنها نتاج وقوفنا، في طوابير إجابات الحياة المختلفة.عرب الإسلام الأوائل، تغيّروا فغيّروا مجرى التاريخ والأمم. السبب تغيّر ذاتهم. يبقى السؤال: كيف نغيّر الإنسان نحو الأفضل؟! تغيّر المنزل. تغيّرت الطريق. تغيّرت الأعمال. هل سألت نفسك: لماذا؟! لدينا التبريرات، والأسباب، والحجج. كل فرد يعيش التغيير، يسعد ويشقى به. حياتك تختلف عن حياة جدك وأبيك. حياة أبنائك ستختلف عن حياتك. ماذا نسمي هذا الحراك الحياتي؟! تسميته معروفة، تأتي في كلمة واحدة. هل نستوعب مدلولها ومفعولها وفلسفتها وفائدتها؟! (التغيير). التسمية السحرية، يجب وضع (مجسم) لها في كل شارع. في كل زاوية بيت. في كل فصل دراسي. (التغيير) الأمل المطلوب. يجب تفعيله في كل زمان ومكان. يمكن ممارسة التغيير بدون حدود. تستحم لتغير في جسدك ملامح تسوء. تستبدل ملابسك لتزيد قيمة مظهرك. تغير أثاث المنزل وأدوات الحياة للبحث عن الراحة. تغير بناء البيت للبحث عن الجاه والمكانة. السؤال الأهم: هل فكرت في تغيير ذاتك؟! سؤال قد يكون صدمة وحيرة. هذا السؤال الرابع في هذا الصيف: كيف يمكن تغيير الفرد؟! طرحت على ذاتي السؤال الأول: هل نحن حضاريون؟! الثاني: من هم أعظم البشر؟! وكان الثالث: ما هي الحضارة؟! يأتي هذا السؤال الرابع ليفجر بركان التساؤلات الصيفية. وعدتكم بتقديم إجابة شخصية. أرجو أن تبحثوا مثلي عن إجابة في ذاتكم الموقرة. تغيير ذاتك يعزز الحياة بجذور قوية وثمار ثمينة. التغيير ضد الركود والسكون. كيف لنا تحقيقه؟! إذا كان كل شيء تغير في حياتنا خلال العقود الماضية، فهل تغيرنا نحن كبشر نتيجة هذا التغيير؟! بالتأكيد تغيّرنا، لكن وفق أي شرط وهدف؟! هل كان التغيير عشوائيا؟! هل كان التغيير نحو الأسوأ أم الأحسن؟! أتحدث هنا عن العنصر البشري (أنا وأنت). لماذا نقول: (الزمن الجميل)، (النّاس الطيبون)، عندما نشاهد الصور القديمة، ونسمع الأصوات الغنائية القديمة، ونزور البيوت القديمة؟! هل يعني أن زمننا غير جميل؟! هل يعني أننا خارج الطيبة المنشودة؟! هل كنّا نعيش الماضي أفضل من الحاضر؟! للإجابة الصحيحة يجب أن ندرك أن الإنسان لا يتغيّر إلا عبر الذّات فقط، خلاف هذا ليس تغييرا، لكنه تأثير وتأثر، تغيير شكلي. قالت العرب: الرجال مخبر وليس مظهرا. أعود لموضوع السؤال: كيف نغيّر الإنسان؟! يمكن وبسهولة تحقيق تغيير الإنسان وفي زمن قياسي. هناك أمم تغيّرت بشكل سريع، فقط لأن إنسانها تغيّر بشكل سريع. الدروس موجودة، حديثا وقديما. حديثا من دول شرق أسيا، أطلق العالم عليها اسم (النمور الخمسة). ماذا كان حالها في خمسينيات القرن الماضي؟! هل تعرفون ذلك؟! يكفي القول إن العرب كانوا في ستينات القرن الماضي، أفضل وضعا وحالا من هذه الدول جميعها. اليوم هذه الدول تنافس على الصدارة. سجلت التقارير الدولية أن العرب الوحيدون في العالم، الذين يتراجعون إلى الخلف. حتى دول أفريقيا الأكثر تخلفا، لم تتراجع، لكنها حافظت على تخلفها ثابتا، كأنها تستعد للقفز واللحاق بغيرها. هناك مثال آخر قديم، من تاريخنا وثقافتنا، من جذورنا التي نعرف. خلال أقل من أربعة عقود تغيّر الإنسان العربي، أطاح بأعظم الامبراطوريات في ذلك الوقت. عرب الإسلام الأوائل، تغيّروا فغيّروا مجرى التاريخ والأمم. السبب تغيّر ذاتهم. يبقى السؤال: كيف نغيّر الإنسان نحو الأفضل؟! بالتأكيد، ليس هناك ورش صيانة وقطع غيار لتجديد النّاس. لا يمكن استبدال النّاس. لكن الحكمة وردت في الآية الكريمة (78) من سورة النحل: «وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً». هذا يعني أن الجهل أصل في الإنسان. يظل الإنسان جاهلا إلى أن يتم تعليمه وبرمجته. هل توصلتم إلى إجابة بعد هذا النقاش والحوار؟! كيف نغيّر الإنسان بشكل كامل؟! سؤال توصل إلى إجابته البشر عبر التاريخ. الإجابة موجودة، البعض فعّلها بنجاح، هناك أمم لا تعلم عنها شيئا أو تتجاهلها. الإجابة تأتي من الإنسان نفسه، عدوه الأول الجهل. كنتيجة، نستطيع تحديد الإجابة بكل وضوح. تطرقت اليها في مقالات سابقة. يتم التغيير والبرمجة بوسائل في متناول الجميع، منها: أولا، تغيير الأفكار والمعلومات التي يحملها العقل، لهذا التغيير وسائله وأدواته. ثانيا، تغيير مهارات الإنسان، وهي متعددة وتشمل حتى الجوانب النفسية والعقلية، هناك وسائل وأدوات يمكن بها تغيير المهارات مهما بلغت من دقة وصعوبة. ثالثا، تغيير سلوك الإنسان، له وسائله وأدواته. رابعا، تغيير الاتجاهات، وقد يكون هذا أصعبها، له أيضا وسائله وأدواته. الاتجاهات تعني مواقف مسبقة من الأشخاص والأحداث والأشياء والمواقف. الأسهل والأفضل تفعيل التغيير والبرمجة من مرحلة الطفولة المبكرة، حتى يصبح الفرد استثمار المستقبل المنشود. التغيير لا يجدي نفعا، إن لم يكن موجها نحو منافع محددة. لا بد لهذا التغيير من رؤية وأهداف، بخطط وبرامج واضحة للجميع، حتى لا يصبح عبئا يؤدي إلى عواقب سلبية ليس لها حدود.