«كورونا» افتراضية
أمر يدعو للاطمئنان متابعة تقارير تشير إلى أن "كورونا" إلى انحسار، وقد أصابتنا "كورونا" - كمجتمع - بانزعاج كبير وخوف من أن ينتشر الوباء ويفتك - لا قدر الله- بالأرواح. ونحن محقون في خوفنا وانزعاجنا، فعلى العاقل المحافظة على حياته وحياة الآخرين، وثمة أوجه التقاء وافتراق بين "كورونا" الحقيقية وأخرى افتراضية هي فيروس "الكراهية" فكلاهما يفتك بالبشر هكذا، كورونا بسبب ضعف المناعة، أما الكراهية فبلا سبب. كورونا لا يميز بين ضحاياه، فيستغل فرصة أن يصبح الشخص في متناول مرماه نتيجة لملامسته سطحا ملوثا فيعمل حثيثاً على سحق جهازه التنفسي، أحياناً يتمكن منه وأخرى يفشل، لكن نجاحاته الباهرة هي مع ضعاف البنية من شيوخ وأطفال أو من لم يتخذ الحيطة والحذر ووسائل الوقاية، ومع ذلك ففيروس "كورونا" لا يذهب لأحد، بل ينتظر أن تأتي الضحية إليه و"تربت" عليه حيث هو! أما من يحمل لك الكراهية فيرتحل ليأتي إليك، بل قد يضحي بالغالي والثمين حتى يتخلص بحمولته الثقيلة من الكراهية. أعدت المقطع ثانية، الفتاة تمشي بمفردها وعلى كتفها شنطة، كانت في غاية الاحتشام والجدية في مشيتها وتنظر للأمام وتسير "تحت الجدار"قبل أيام كنت أشاهد مقطعاً انتشر على اليوتيوب لشخص هاجم فتاة محجبة أثناء مشيها في أحد الشوارع البريطانية. أتى من خلفها مسرعاً ودفعها بقوة فارتطمت بالأرض مغمياً عليها، أعدت المقطع ثانية، الفتاة تمشي بمفردها وعلى كتفها شنطة، وهي في غاية الاحتشام والجدية في مشيتها وتنظر للأمام وتسير "تحت الجدار"، ومع ذلك أتاها من لا يعرفها من الخلف ليلحق بها أذى. هو بالقطع إما فاقد للعقل أو أن ميولاً إجرامية تمكنت منه، إذ كيف لعاقل أن يقوم بعمل فيه غدر وجبن وتجاوز على حقوق الآخرين في الطريق وفي المسير وفي الحياة؟ وبالطبع لن يستطيع عاقل أن يبرر أفعال الكراهية، فهي تستوجب فهماً "مشقلباً" للواقع؛ ومن يسيطر على أفعاله فهو مشوش للواقع هو إمام مجنون أو في الطريق لتلك النهاية، بل إن من دلائل الذكاء والفطنة أن يدرك الانسان ما حوله كما هو وليس كما يتوهم.ومتلازمة الكراهية ليست حكراً على فئة معينة من البشر، بل هي أشبه ما تكون بفيروس "كورونا" ما ان تجد البيئة الملائمة حتى تتفشى وتحتل العقول فـتشقلبها لينظر "المصاب" للبشر من خلال "نظارة" تفرزهم: هذا أكرهه، وليس شرطاً أن يكون هناك أي معرفة شخصية للكراهية. فقد تكون بسبب اللبس (كالحجاب مثلاً) أو بسبب السحنة أو اللون أو بسبب الجنس أو بسبب الاسم أو بسبب اختلاف فكري.قبل أسابيع قليلة سمعنا عن طالب من أسرة ثرية في كاليفورنيا كيف اتجه لأشخاص لا يعرفهم فأرداهم قتلى، وقبلها وبعدها أطفال في مدارس يحملون أسلحة لقتل زملاء لهم في المدرسة. قد لا يكون هؤلاء الأطفال أو المراهقون يحملون كراهية بقدر اهتزاز في وظيفة التميز والعقل. وقبل أيام انشغلنا هنا في كيف أن طفلاً صغيراً كان على وشك ذبح اخته التي تصغره إثر اصطحاب والده إياه للمسلخ صبيحة ذلك اليوم، فأراد أن يطبق ما شاهده على أخته، لكن الحديث ليس عن الأطفال أو غير العاقلين، بل عمن سيطر عليهم فيروس الكراهية للبشر، جميعهم أو شرائح وأطياف منهم.ولا بد من الإقرار بأن هناك من يوغر الصدور، وينثر بذور الكراهية حيثما حل، لا يقبل أن يرى استقراراً أو سعادة أو حباً، وستجد بالضرورة أن هناك من يقابل تلك الكراهية بكراهية مضادة، فيصبح الطرفان متكارهين متقاتلين يثأر كل منهما من الآخر، وقد يستجلبا لحفلة الكره هذه أطرافاً أخرى تشارك إما مرضاً أو مصلحةً أو تشفياً بهما أو بأحدهما، وكما حال "كورونا" فأهم طرق الوقاية هو عقيم اليدين والنظافة الشخصية، أما فيما يتصل بفيروس "كراهية" فتعقيم العقل ونظافة القلب والوجدان. ليس الأمر سهلاً - كما قد يتصور بعضنا - فرغم المخاوف الجمة من انتشار "كورونا" لكن مازلنا نرى عدم قدرة بعضنا على التقيد بتعليمات: مسح الأسطح والتعقيم المستمر لليدين وعدم نثر رذاذ العطاس أو السعال على الملأ. ولعل الالتزام بالتخلي عن الكراهية أصعب بكثير، والسبب أن هناك من سيجلب لك ألف سبب ليبرر قتل وسلخ انسان مثله! وسينثر ذلك على الملأ فتتفشى الكراهية وتصبح ثقافة عند شرائح من الناس.ولا محالة من أن يظهر المجتمع صرامته، فتفشي الكره أخطر على السلم الأهلي والسلامة الوطنية من انتشار "كورونا". وتتجسد الصرامة في منع مظاهر الاستعداء والكره قولاً أو عملاً، ويبدو أن العالم بحاجة لجهاز عالمي لنبذ الكره البشري لينفذ كل ما سبق من قوانين ومواثيق ومعاهدات تحفظ للبشر حقهم في الحياة وتحميهم من التبعات العنيفة لكرههم بعضهم بعضاً.