د. ابراهيم العثيمين

إيران و«السداسية» وتحديات الاتفاق الشامل

استضافت العاصمة النمساوية فيينا يوم الثلاثاء الماضي الجولة الخامسة من المحادثات النووية الايرانية بين القوى الست وايران؛ على أمل التوصل لاتفاق بشأن برنامج طهران النووي بحلول مهلة العشرين من يوليو. وإن كان المفاوضون يسعون لتضييق الفجوات إلا أن المفاوضات تحمل في طياتها الكثير من التحديات. تحدثت في مقالي السابق "طهران والمفاوضات الثنائية مع واشنطن" عن تحدي "برنامج الصواريخ البالستية الإيرانية"، والذي أثير بشكل كبير في جولة فبراير (جولة الاتفاق على إطار المفاوضات)، ولعلي في مقالي هذا أتحدث عن أربعة تحديات تواجه كتابة مسودة الاتفاقية النهائية بين إيران ومجموعة دول (5+1) الغربية: تحدي التخصيب، تحدي أجهزة الطرد، تحدي اراك وفوردو، وتحدي المراقبة، لعلي استعرض هذه التحديات بشيء من التفصيل.موضوع أجهزة الطرد المركزي اللازمة لتخصيب اليورانيوم كانت ولا تزال من القضايا الأساسية التي تواجه المفاوضات بين ايران والقوى الست، والتي وصفها أحد الدبلوماسيين بأنها «مشكلة كبرىالتحدي الاول أجهزة الطرد المركزي المستخدمة في التخصيبموضوع أجهزة الطرد المركزي اللازمة لتخصيب اليورانيوم كانت ولا تزال من القضايا الأساسية التي تواجه المفاوضات بين ايران والقوى الست، والتي وصفها أحد الدبلوماسيين بأنها "مشكلة كبرى"، فطهران ترغب في الاحتفاظ بنحو 20 ألف جهاز طرد مركزي تملكها الآن يعمل منها نحو عشرة الاف لتخصيب اليورانيوم، وزيادتها مستقبلاً إلى 150 ألفاً، أو إبدالها بطرز حديثة تنتج الكمية ذاتها من اليورانيوم المخصب، أما القوى الكبرى (الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا) فتريد ان تخفض ايران عدد أجهزة الطرد المركزي إلى بضعة آلاف. فالقوى الكبرى ترى انه كلما زاد عدد أجهزة الطرد لدى إيران زادت السرعة التي يمكنها أن تنتج بها اليورانيوم المخصب بدرجة عالية تكفي لصناعة قنبلة نووية إذا ما قررت ذلك، وتريد بذلك إطالة هذه الفترة لأطول مدة ممكنة، لم يبدو لدى طهران حتى الآن أي استعداد لخفض عدد أجهزة الطرد المركزي وهو ما يجعل من الصعب تصور التوصل إلى حل وسط. التحدي الثاني منشأتي آراك وفوردومفاعل آراك وهو مفاعل لأبحاث الماء الثقيل ويتناسب مع إنتاج البلوتونيوم المنضب الذي يدخل في صنع الأسلحة النووية، والتي أماطت منظمة مجاهدي خلق الإيرانية المعارضة اللثام عنه في 2002، وأدى ذلك إلى لفت انتباه مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية الى طبيعة البرنامج النووي الايراني، كان ايضا من القضايا العالقة في مفاوضات فيينا في ابريل الماضي، فقد طرحت عدة مقترحات بخصوص مفاعل اراك من ضمنها تحويل اراك لنوع من المفاعلات التي لا تعمل على إنتاج مادة البلوتونيوم كمنتج ثانوي، كما اقترحت ايران أن تشارك دول مثل ألمانيا، أو فرنسا، أو اليابان أو البرازيل أو الأرجنتين في مشروع أبحاث مفاعل آراك لضمان استخدامه في الأغراض السلمية، وفي 21 ابريل أعلنت إيران أن قضية مفاعل آراك، إحدى النقاط العالقة في المفاوضات النووية بينها وبين الدول الكبرى، سُوّيت، وقال علي أكبر صالحي رئيس المنظمة الإيرانية للطاقة النووية: إن «إيران تقدمت باقتراح لمجموعة (5 + 1) لتغيير المفهوم (الذي تقوم عليه) المنشآت في آراك، وهذه الدول وافقت عليه، هذه القضية جرى تسويتها عمليا»، وأضاف صالحي: «اقترحنا خفض إنتاج البلوتونيوم حتى خمس الكمية»، إلا أن الاشكال حسب ما يظهر في المفاوضات الجارية ان الغرب يريد تحويل مفاعل آراك في شكل يجعله عاجزاً عن إنتاج بلوتونيوم، لا أن يخفّض هذا الإنتاج كما تريد إيران، أما منشأة فوردو -وهي محطة لتخصيب اليورانيوم موجودة في جوف جبل غرانيت، على مقربة من فوردو، قرية الرعاة البعيدة 30 كلم عن قم. وفي عمق 80 متراً، في جوف قاعدة «الحرس الثوري» المحمية بواسطة صواريخ مضادة للطيران والصواريخ- تم الكشف عنها في سبتمبر 2009، فالقوى الست تشعر بقلق من هذه المنشأة لأن ايران تخصب اليورانيوم هناك إلى مستوى نقاء 20%، وتزعم ايران انها تحتاج هذه النسبة لانتاج وقود لمفاعل طبي، وهذه النسبة من النقاء لليورانيوم المخصب لا تبتعد كثيرا من الناحية الفنية عن مستوى التخصيب اللازم لصنع سلاح نووي، وبالتالي فالقوى الست تطالب بإغلاقه أو على الاقل إعادة تحديد وظيفته. التحدي الثالث الفترة الزمنية لمراقبة برنامج طهران النووي بعد إبرام اتفاقولضمان عدم خرق الاتفاق من قبل ايران، فإن القوى الكبرى الست ترى ضرورة مراقبة فاعلة للبرنامج النووي بعد إبرام اتفاق، والجدل الذي يدور في هذه القضية بين ايران والقوى الست هو في مدة المراقبة بعد ابرام الاتفاق، فالقوى الست تسعى لفرض قيود على برامج ايران النووي لمدة 30 سنة، بينها 20 سنة من الرقابة المشددة و10 سنوات من تخفيف تدريجي، وقد تقبل القوى الست بخفض الفترة الزمنية الإجمالية إلى 20 سنة، بينها 15 سنة من قيود صارمة، تليها 5 تشهد رفعاً بطيئاً، لكن طهران تأمل بخفض الفترة إلى 15 سنة فقط، مع تخفيف الضوابط تدريجاً بعد سنوات محدودة على فرضها.التحدي الرابع تخصيب اليورانيومفتخفيض عملية تخصيب اليورانيوم إلى مستويات متدنية تعتبر شرطاً لإبرام اتفاقية مع إيران، ولعل هذا التحدي تم تجاوزه بشكل او بآخر بعد اعلان رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية علي أكبر صالحي أن إيران «أنهت في 12 أبريل العمليات لتحويل ما لديها من يورانيوم مخصب بنسبة 20 في المائة إلى يورانيوم مخصب بنسبة خمسة في المائة»، وينص الاتفاق المرحلي على وجوب أن تنتهي هذه العمليات في منتصف أبريل، واتبع ذلك تقرير الوكالة الدولية للطاقة الذرية الشهري في 17 أبريل، الذي اكد فيه أن إيران قلصت بنسبة 75 في المائة مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 20 في المائة، مما يعني استمرارها في التجميد المؤقت لقسم من أنشطتها النووية، وينص اتفاق نوفمبر المرحلي على وجوب أن تحول إيران نصف كمية اليورانيوم المخصب بنسبة 20 في المائة (200 كلغ) إلى خمسة في المائة، وأن تحول النصف الآخر إلى وقود لمفاعلها الطبي في طهران.