الرافدان.. خيار بين الأسوأ والأسوأ..!
يصاب المرء بحالة من الدوار الحاد ومسحة من كآبة وضيق ويتلوع حينما يفكر في العراق وحال العراقيين الآن. هذه حال العربي المخلص وكل ذي ضمير، فكيف بحال العراقي الآن.حتماً ولا بد أن حال العراقيين المخلصين مزرية ومصابون بأشد أنواع الكآبات وتضيق بهم أرض الرافدين الذهبية الجذابة عبر عصور التاريخ للهجرات والحضارات والأذواق وكل أنواع البشر من المبشرين بالسلام والحب والأدب والمبدعين إلى الطماعين والمحاربين.ولكن في عهد صدام وداعش (دولة العراق والشام) ونوري المالكي والبطاط والنجيفي وطواقم النخبة الفاسدة، لم يعد العراق جذاباً إلا لنوعية خاصة من القتلة الأشرار المتعصبين والطماعين وتجار الحروب.لو كنت عراقيا لقتلتني الحيرة؛ لأن الأمور هناك تدفع العراقيين إلى الاختيار، ليس بين السيء والسيء، بل بين الأسوأ والأسوأ، إما الولاء لميلشيات داعش (التي تبيع بضاعة تكفيرية)، أو الولاء لميلشيات نوري المالكي (الذي لا يتورع عن ممارسة التكفير للآخر قولاً وفعلاً ونهجاً، وسبق أن خلع على نفسه أنه «الحسين» والآخر «يزيد»). وكل من داعش والمالكي متطرفان مذهبياً، ويمارسان تصفيات تاريخية، ويشعلان الحرائق في بلاد الرافدين الخضراء، على الرغم من أنه تقتضي ملاحظة أن الهيمنة الإيرانية على العراق واتفاقها مع واشنطن على تعيين المالكي حاكماً مستبداً في العراق؛ بهدف تركيع العرب (شيعة وسنة)، هي التي أنتجت داعش والكثير الكثير من التطرف والغلو، وهناك من يقول إن داعش هي «تصنيع إيراني» على نحو ما، لتأجيج الصراع المذهبي في العراق وإعطاء إيران مهمة وكلمة في العراق، ويضفي شرعية على تدخلها في الشؤون العراقية، وشهد ياسر الحبيب الشيخ الشيعي المذهبي المتطرف، في حديث تلفزيوني، أن إيران تمد مقاتلي القاعدة بالمتفجرات والمفخخات والأموال لتنفيذ تفجيرات في التجمعات الشيعية في العراق، وتحرض الميلشيات التابعة لها على مهاجمة العرب، بهدف استمرار اشتعال الفتنة في العراق مما يعطي لطهران حضوراً، أو يدفع بالشيعة العراقيين، قسراً، إلى التحالف معها، وهذا ما يحدث حالياً. إضافة إلى أن أعضاء مطاردين من القاعدة يجدون لهم مأوى ومقاماً في إيران، وشهد عائدون من قاعدة اليمن أن طهران تمول منظمة «القاعدة في جزيرة العرب»، وتمول الحوثيين في نفس الوقت، ويلاحظ أيضاً أن مقاتلي داعش في سوريا يركزون همهم وقتالهم ضد الجيش السوري الحر، ويتصالحون مع الفصيل الإيراني (نظام بشار الأسد وميلشيات إيران)، وتجارة النفط مزدهرة بين داعش وبشار، فهي تمد النظام وحلفاءه بوقود الآليات التي تحارب السوريين وهو يمدها بالأموال تشتري بها أسلحة فتاكة، وتوجه نيرانها إلى الجيش الحر، وسبق أن انسحبت داعش من مناطق تحت سيطرتها وسلمتها تعمداً لنظام بشار لمنع الجيش الحر من السيطرة عليها، ولا يشن النظام هجمات على مناطق تحت سيطرة داعش، وهذا يعني بوضوح أن لداعش علاقة ما بنظام الأسد.والأمر أيضاً محير.. لماذا تقدم داعش خدمات تاريخية جليلة لميليشات إيران في سوريا، فيما توجه نيرانها للميلشيات الإيرانية في العراق.*وترعلى ضفاف الفرات..كانت البهية تفتح النافذة..وتتنسم ملء رئيتها شذى البساتين..وتتكحل بأشجار النخيل السامقة الحبلى..وماء النهر المهيب نشوة الحياة والسلام والأمل..الآن.. النافذة نصف موصدة يشتعل بأطرافها لهيب النار..والبساتين رماد حرائق..ومياه النهر الحزين ممزوجة بدماء ونواح..تلفظ جثثاً.. وعيوناً حوراء معذبة بالسهد.