د. ابراهيم العثيمين

طهران والمفاوضات الثنائية مع واشنطن

استغرب كثير من المتابعين إعلان إيران عن بدء مفاوضات ثنائية مع واشنطن في جنيف، بعد الاتفاق التاريخي الذي جرى التوصل إليه في نوفمبر الماضي بين مجموعة 5+1 وإيران، والتي تلتها سلسلة من المفاوضات في فيينا، بهدف التوصل إلى اتفاق حول البرنامج النووي الإيراني. واستغراب البعض كان نابعا من أن هذه هي المرة الأولى التي تجري فيها إيران مثل هذه المفاوضات خارج إطار المحادثات مع القوى الكبرى. لكن إيران سبق أن أجرت مفاوضات ثنائية مع واشنطن، لكن على هامش محادثات (الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا وألمانيا). اعتقد ان ايران بدأت مثل هذه المفاوضات؛ لاعتقادها أن الولايات المتحدة هي العضو الرئيس في المفاوضات، وهم من يحددون مسار المفاوضات، ولا ننسى ماذا حصل عندما عارضت واشنطن المفاوضات التي أجراها روحاني في الماضي؛ لما كان كبير المفاوضين على البرنامج النووي مع الاتحاد الأوروبي ( 2003 - 2005)، التي أفضت إلى اتفاق باريس، أدى ذلك إلى انهيار الاتفاق، وعلى أثره عزفت بريطانيا عن تأييدها للاتفاق. إضافة إلى ذلك أنه ما كان لاتفاق جنيف الذي جرى التوصل إليه في نوفمبر الماضي بين مجموعة 5+1 وإيران، أن يتم لولا سلسلة الاجتماعات السرية بين طهران وواشنطن التي تمت في عمان ونيويورك، منذ أكثر من عام قبل الاتفاق المرحلي في جنيف.  إيران غير جادة في الوصول إلى تسوية سلمية لملفها النووي، فالايرانيون يريدون التباحث؛ ليظل باب الدبلوماسية مفتوحا، والتي لن تشهد نجاحا إلا بتحقق المطالبوبالتالي فواشنطن هي الدينمو المحرك لهذه المفاوضات. فبعد سلسلة المفاوضات الأخيرة في فيينا، لا تزال الهوة كبيرة التي تفصل بين إيران والدول الغربية؛ من أجل التوصل إلى اتفاق. فحاولت ايران بدء مفاوضات ثنائية مع واشنطن، بهدف تحريك المباحثات الرسمية بين مجموعة  5+1 في فيينا. ومن ضمن القضايا الخلافية قضية البرنامج الباليستي الايراني، حيث اصرت واشنطن على مناقشة البرنامج الصاروخي الإيراني في إطار المفاوضات النووية. يقول جاي كارني المتحدث باسم البيت الأبيض: إنه يتعين على الإيرانيين "أن يتعاملوا مع الأمور فيما يتعلق ببرنامج الصواريخ البالستية الإيرانية"، مستشهدا بقرار مجلس الأمن الدولي 1929 الذي حظي على المصادقة في 2010 والذي حظر أي نشاط يرتبط بالصواريخ البالستية القادرة على حمل أسلحة نووية. وأضاف كارني: "لقد أبدت إيران موافقتها الكاملة على ذلك في خطة العمل المشتركة". وبالفعل سعى الوفد الأمريكي إلى طرح قضية الصواريخ البالستية على طاولة النقاش. غير أن الوفد الإيراني رفض ذلك، ووصف هذا الطلب بأنه غير منطقي ولا يرتبط بالملف النووي. وقال عباس عراقجي، كبير المفاوضين الإيرانيين: إن جدول الأعمال سيكون بخصوص البرنامج النووي الإيراني ولا شيء غير ذلك، حيث شدد على أنه باستثناء البرنامج لا يمكن مناقشة أي نشاطات أخرى لإيران. كما نفى وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، الادّعاء الأمريكي بأن إيران وافقت على أن تطرح صواريخها البالستية على طاولة النقاش، محذّرا في الوقت ذاته من أن الطلب الأمريكي بإدراج البرنامج البالستي الإيراني ضمن المفاوضات إنما يشكّل تجاوزا لخط أحمر بالنسبة لإيران. وفي 17 مارس حدد 83 من أعضاء مجلس الشيوخ المائة، للرئيس باراك أوباما شروطهم للموافقة على اتفاق نهائي حول الملف النووي الإيراني، من بينها ادراج البرنامج الصاروخي الإيراني في إطار المفاوضات النووية. وفيما يمارس الكونغرس الأمريكي الضغوط على البيت الأبيض بشأن فرض قيود على البرنامج الصاروخي الإيراني خلال المفاوضات النووية مع إيران، أعلن وزير الدفاع الإيراني العميد أحمد وحيدي أن القوات المسلحة ستتزوّد خلال الفترة القادمة بدفعة كبيرة من الصواريخ البالستية؛ مما أدى الى تأزم الوضع وتعقيده. واعتقد ان ايران تريد من هذه المفاوضات الثنائية حلحلة هذه القضية وغيرها من القضايا العالقة، كحجم برنامج التخصيب (عدد أجهزة الطرد المركزي ومستوى إنتاج اليورانيوم المخصب)، وموقع فوردو الواقع تحت الأرض ويصعب تدميره.ومع هذا كله ومن متابعتي لسير المفاوضات أرى أن الجانب الإيراني غير جاد في المفاوضات ويعمل على المراوغة بهدف كسب الوقت وابطاء إيقاع إدارة الأزمة النووية، فرغم وعود ايران الكثيرة بالحد من أنشطتها النووية، وفقا لاتفاق نوفمبر 2013، مع القوى الكبرى، يخرج علينا مساعد رئيس منظمة الطاقة الذرية محمد أحمديان بدراسة اعدتها منطمة الطاقة الذرية الايرانية في انه تم تحديد 16 مكانا في إيران لبناء محطات نووية جديدة، عشرة منها تقع على سواحل الخليج وبحر عمان، وكل وحدة من هذه المحطات تضم عدة مفاعلات نووية. ويأتي هذا الاعلان بعد مرور أشهر قليلة فقط من اتفاق جنيف، الذي كان ينص على الحد من انشطة ايران النووية، مقابل تخفيف العقوبات المفروضة عليها. أضف إلى ذلك تأكيد فان ديبين، النائب الأول لمساعد وزير الخارجية الأمريكية للشؤون الدولية ومنع الانتشار النووي، ان إيران مستمرة في جهودها الدائمة لشراء المكونات المحظورة لبرنامجها النووي وبرامج الصواريخ خلال الشهور الأخيرة، التي وقعت فيها الاتفاق المؤقت مع القوى الست الكبرى للحد من نشاط برنامجها النووي. وقال ديبين: «إنهم لا يزالون نشطين في محاولة شراء مكونات برنامجهم النووي وبرنامج الصواريخ والبرامج الأخرى. وقد لاحظنا أيضا أنهم مستمرون في الإنشاء والعمل عبر شركات واجهة، وتزوير الوثائق والمشاركة في مستويات متعددة من الشحنات العابرة للقارات في محاولة للتحايل بابعاد المسافات بين المكان الذي بدأت منه الشحنة والمكان الذي وصلت إليه». فلا يعني هذا إلا أن إيران غير جادة في الوصول إلى تسوية سلمية لملفها النووي، فالايرانيون يريدون التباحث ليظل باب الدبلوماسية مفتوحا، والتي لن تشهد نجاحا إلا بتحقق المطالب الإيرانية. وأنا أتابع سير المفاوضات، تذكرت حديث الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي، واصفا المفاوضين الإيرانيين بأنهم كالفلاسفة، يستمرون بالحديث دون توقف حول موضوع لا نهائي.