سالم اليامي

ليبيا وتنازع الشرعيات

لم يمض على عودتي من طرابلس أكثر من أسبوعين اتصل بي خلالهما عدد من الأقارب والأصدقاء والمعارف والزملاء والاصدقاء، وكان القاسم المشترك في رسائل الجميع واتصالاتهم أمرين: الأول الدعوات لي بالسلامة على العودة إلى أرض الوطن بعد أن وصلت الأمور هناك إلى نقطة بالغة الصعوبة والخطورة، أما الأمر الآخر فكان السؤال تقريباً من أغلب المتصلين عن «ماذا يحدث في ليبيا»، في الحقيقة كان ردي على الفقرة الأولى من اسئلة الناس تقريبا واحدا هو الشكر والامتنان من الجميع، في الوقت الذي لم يكن لدي اجابة واحدة على السؤال حول الوضع هناك، وطبيعته، أحد الأصدقاء المشاغبين والمتابعين للأخبار والتطورات في ليبيا وغيرها، قال لي بإلحاح: أخبرني ما الذي يحدث في ليبيا، وبالتفصيل، فقلت له أعرف سبب الحاحك لأني قادم من قلب الحدث تقريباً، وأنا أعذر شغفك وحبك للتفاصيل لكن صدقني في ليبيا لا يمكن حصر الوضع هناك وفهم أبعاده حتى من قبل الليبيين أنفسهم، أو أغلبهم.في ليبيا لا يمكن حصر الوضع هناك وفهم أبعاده حتى من قبل الليبيين أنفسهم، أو أغلبهمورحت أسرد لصديقي ذاك حادثتين طريفتين تعكسان حالة الغموض والانفلات وعدم الفهم الحقيقي لما يحدث على الأرض الليبية، حيث انتشرت في شهر مارس الماضي صورة بين مرتادي الشبكة العنكبوتية ومدمني مواقع التواصل الاجتماعي فحوى تلك الصورة بسيط ومعناها عميق، وتعبر بوضوح عن حقيقة يعيشها الناس في البلاد الليبية، الصورة كانت عبارة عن لقطة لجملة مركزة كتبت على أحد الجدران في منطقة الشط في العاصمة طرابلس على النحو التالي «اللي فاهم حاجة في ليبيا هذا رقمي» ومكتوب رقم هاتف جوال، صورة أخرى لقيت تقريبا نفس الزخم والاحتفاء باستخدامها وتداولها بين الليبيين في الفترة الماضية وهي عبارة عن لافته لمحل تجاري لبيع الأدوات المنزلية في طرابلس اختار لها صاحب المحل عبارة غريبة لكنها ربما تعبر عن الوضع العام وما يعتريه من غموض وانفلات، اسم المحل العتيد «شيء، شيء. حد شيء» وتفسير العبارة من اللهجة العامية الليبية، أن لا شيء على الأطلاق مفهوم.هذه المقدمة كانت ضرورة في نظري لبيان حالة التيه التي يعيشها الناس جراء الأفعال المتضاربة والمتقاطعة بحدة منذ ما يزيد على الاسبوعين بقليل في ليبيا، فحتى تاريخ 3يونيو الجاري كان رئيس الحكومة المكلفة بالقيام بالأعمال السيد عبدالله الثني يرفض تسليم أدوات السلطة للسيد أحمد معيتق الذي عقد لواء حكومته قبل أيام في أحد فنادق العاصمة وبمساعدة فصيل مسلح اجتمع بحكومته المشكلة في مقر رئاسة الوزراء.وعقد مؤتمرا صحفياً تحدث فيه عن أفق الانتخابات البرلمانية المبكرة في بحر 25 يونيو!! هذه الصورة المحيرة تأتي على تنازع قطبي السياسية في العاصمة طرابلس الشرعية السياسية المنبثقة عن المؤتمر الوطني الليبي العام الذي يصفه قطاع كبير من الليبيين بأنه فقد شرعيته بحسب الاعلان الدستوري منذ 7 فبراير 2014م!! القطب الاخر والأقوى إلى الآن على الاقل يعلن شرعيته الخاصة، وبصورة اقوى تأثيرا وأشد فعالية، حيث يتحدث باسم المجموع الليبي العام، ويؤكد للداخل ولدول الجوار وللأطراف الدولية أن ما يقوم به من أعمال ذات طابع عسكري صرف بأنه بناء على الشرعية الشعبية، التي منحت له من قبل الليبيين والليبيات الذين سأموا حالة التيه في بلادهم، وبدأوا يرون أن ليبيا السابع عشر من فبراير ربما تسير إلى المجهول في ظل جماعات إرهاب وتكفير وعنف ومصالح خاصة وسرقة متعمدة لخيرات البلاد. حدة تقاطع المصالح بين هذه الأطراف تبينها الحدة الشديدة في المواقف التي تتبناها الأطراف من بعضها البعض، فقوات الجيش الوطني الليبي وعبر تصريحات واضحة للسيد خليفة حفتر والمتحدثين الرسميين باسمه واسم الجيش، يعلنون صراحة بطلان أي أعمال للحكومات الحالية، ويرون بوضوح أن لا أمل لقيام انتخابات برلمانية قريبة، قبل تطهير البلاد حسب وصفهم من التكفيريين والخوارج، وأن ذلك قد يستغرق من ثلاثة أشهر إلى عام كامل، ويحذرون الليبيين من أن هناك خطط تحاك ضد الشعب الليبي وتهدف إلى تمرير ميزانيات ومشاريع وتهريب أموال الشعب لبناء فصائل وأحزاب وتجمعات عسكرية تستعد لمستقبل قد يكون مفتوحا على احتمالات خطيرة. إلى الآن وأهل السياسية وشرعيتهم التي يبحثون عنها ويتنازعون عليها في منأى عن احتكاك مباشر مع قوات الجيش الليبي، وإذا تطورت الأمور وحدث صدام لا سمح الله بين أهل السياسة في العاصمة وأهل السلاح في بنغازي فقد تكون العواقب وخيمة على الجميع.