طرفة عبدالرحمن

انتقاد الفساد

بأي لغة نحن ننكر الفساد؟ وأي نوع من الفساد ذلك الذي يستثير حفيظتنا؟. البعض قد يراه في الشوارع التي تختنق سريعا بزخات المطر البريئة، وغيرهم يظنونه في الاختلاسات والرشاوى وجرائم المال العام.. أما الفساد الذي قد تجتمع وتتوحد حوله الآراء والانفعالات، فهو ذلك الفعل المؤذي للمجتمع بعامته والذي قد يصدر من شخص معلوم أو مجهول وتتواتر على إنكاره وإدانته كل الآراء، على اختلاف توجهات وأفكار ومذاهب أصحابها.  لكن بشكل عام، يندر في أكثر القضايا توحد الآراء، فزوايا الرؤى متعددة دائما في كل الأمور، وهذا أمر طبيعي ومقبول، ولا يشكل بأي حال منقصة أو عيبا في التفكير الإنساني. العيب يظهر في الطريقة التي ننتقد فيها الأمور، وألا نملك عينا فاحصة تميز بين درجات الفساد وموضوعية تحمينا من خلط الأمور ببعضها وإفسادها.هذه الإجراءات لا تهذب عملية النقد عندنا، بل تتجاوز ذلك إلى الهدف الأساسي من النقد، وهو الحلفمثلا انتقاد القصور والتظلم في حال وقوع الأذى، حق مشروع لكل إنسان، لكن ما يجعل هذا الحق مهدرا وضائعا، أن المطالبين به لا يهتدون لطريقه، فهم ينوحون في كل مجلس ومحفل بمصيبتهم بدون الإلحاح في طلبه، عبر القنوات المشروعة. لا ننكر أن الحقوق بشكل عام في معظم البلدان العربية، يتم انتزاعها بجهد كبير ووقت طويل أحيانا، إلا أن ذلك لا يمنع أن نستثمر محاولاتنا للمطالبة بحقوقنا ومظالمنا في التفتيش عن طرق عملية لسلكها، فهو أخير لنا من بذلها في الصياح والعويل عند من لا ينفع.. أبسط ما يمكن أن تتجلى فيه تخبطات موضوعيتنا أننا عندما ننتقد خللا ما في شخص أو نظام نتجه إلى محاور عديدة، تبعدنا عن النقطة الأساسية، بل يتعدى بعضهم ذلك إلى المساس بالشخص نفسه، وعندما ننتقد مثلا وزارة معينة، نحشر في زمرتها كل الوزارات وننتهج التعميم في الاتهامات، ونخلط أسباب القصور الناتجة عن الإهمال بتلك الناتجة عن السرقات وسوء النوايا!! هذا النوع من الانتقاد يصح أن نسميه انتقاد(النوح والبوح) وفي الغالب أن هذا النوع من الكلام والنقد لا يلتفت له، بل ويجعل أصحابه يتلبسون بتهمة إثارة الفتنة، وهم أحيانا أبرياء منها. صحيح أن القنوات التي يتم فيها وصول صوت المواطن للمسؤول شحيحة، وتكاد تقتصر على وسائل التواصل الاجتماعي، وبعض القنوات الفضائية- في ظل انعدام مراكز استفتاء وقياس الرأي العام- إلا أن هذا يجب أن يستحث أصحاب "الظاهرة الصوتية" وخاصة النخب الإعلامية والاجتماعية منهم، إلى توفير نياح حناجرهم للمطالبة بهذه المراكز، فهذه خطوة ستستفيد منها عدة جهات، منها: مجلس الشورى في مناقشة المواضيع التي تهم العامة، بناء على ما يتم التصويت عليه، وهو إجراء يمكن اللجوء له في كثير من المواضيع، والتقدم التقني الكبير في مجال الاتصالات يمكننا من إجرائه بكل سهولة، خاصة ان آخر خطوة فيه بعد انتهاء خطوات إنشائه وهيكلته وإقراره، هي ضغطة زر من قبل المواطن من مكانه الذي يتواجد به، على خيار معين يراه مناسبا له في الموضوع، الذي يتم التقصي عنه. هذه الإجراءات لا تهذب عملية النقد عندنا، بل تتجاوز ذلك إلى الهدف الأساسي من النقد، وهو الحل. هذه الإجراءات تعود بالفائدة على الدولة برمتها، قبل الفرد، وهي تفعل مبدأ الشورى بين الناس بطريقة ديمقراطية، وهو أسلوب قامت بانتهاجه كثير من الدول الأوربية قبل الثورة الاتصالية الكبيرة التي نشهدها الآن.