قَلمُ المَلك
قبل أشهر قد تطول عن السنة، في رحلة من الدمام إلى جدة، صادفت مجموعة من مهندسي شركة أرامكو، كنت أعرف بعضهم، أما أحدهم فقد كان من طلابي في الماجستير في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن، وقد عركته السنون والمشاريع، فيما يبدو. لم أره لفترة طويلة. حين عرفته كان قد حصل على البكالوريوس من إحدى الجامعات الأمريكية مبتعثاً من أرامكو، وأخذ يسعى للحصول على الماجستير مساءً، وهو يعمل في الشركة نهاراً.تبادلنا أطراف الحديث، وعرفت منه أنه مدير مشروع استاد الملك عبدالله في جدة، فلم أتمالك سؤاله ممازحاً: هل سينتهي المشروع في وقته، جدة بحاجة لهذا الاستاد؟ أجاب بثقة نعم، وأردف: بل الاحتمال وارد أن ننجزه قبل وقته. سألته عن سبب هذه الثقة، وقد أصبح تعثر وتأخر المشاريع ظاهرة؟ أجاب، كذلك بثقة: أدرك أهمية المشروع، لكنه ليس معقداً مقارنة بما تنجزه أرامكو، ولذا لا أرى أي عائق من اكتماله في الوقت المحدد.تحدث الملك -يحفظه الله- في مناسبات عديدة، عن التنمية المتوازنة عند زياراته لمناطق المملكة، وبكل وضوح وشفافية؛ وقد انطلقت إثر ذلك مشاريع تنموية واقتصادية عملاقة في مناطق لم تأخذ نصيبها الوافيعندما افتتح خادم الحرمين الشريفين -يحفظه الله- الاستاد الرياضي، تابعت الافتتاح كالملايين. للإنجاز فرحة، فمثل هذه المشاريع تحقق التنمية بأبعادها المتعددة ولشرائح المواطنين على تنوع اهتماماتهم رياضية أو سواها، وإلا كيف تستحق أن تسمى تنمية شاملة؟ ولست مبالغاً في القول إن توجه الملك -يحفظه الله- في تخصيص المزيد من المال للإنفاق الرأسمالي، هو توجه استراتيجي، اتخذه منذ بداية عهده الزاهر، حيث تضاعفت تلك المخصصات بأكثر من ستة أضعاف، لتمويل آلاف المشاريع الموزعة في كل سهل وجبل في مملكتنا، وكل بادية وحاضرة. وبعد تخصيص الأموال الترليونية للمشاريع فكل ما هو مطلوب أن تُنجز، كما أنجزَ الاستاد الرياضي في جدة، لتكون فرحة للجميع أننا نتحرك للمستقبل بخطوات واثقة، وعلى أرضية صلبة لجعل: التنمية المستدامة واقعاً، والنمو الاقتصادي سمةً، والتقدم العلمي سجيةً. تحدث الملك -يحفظه الله- في مناسبات عديدة، عن التنمية المتوازنة عند زياراته لمناطق المملكة، وبكل وضوح وشفافية؛ وقد انطلقت إثر ذلك مشاريع تنموية واقتصادية عملاقة في مناطق لم تأخذ نصيبها الوافي من التنمية، وهذا ما يترجمه مشروع وعد الشمال، ومشروع المدينة الاقتصادية بجازان، على سبيل المثال لا الحصر. وليس القصد هنا تعديد ما أنجز فهو كثير، فقد تكفي الإشارة أن تطلعات الملك واضحة ومستقرة لرصد المال؛ لتحدث طفرة تنموية شاملة دون إضاعة أي وقت، تحقق الرفاه للمواطن والتقدم للوطن من الأساسيات: كالصحة، التعليم، السكن، التوظيف، وفي مجالات أخرى كالنقل بين وداخل المدن كمشاريع القطار والمترو. وعند إحصاء تلك المشاريع، لتجاوز تعدادها الآلاف وتكلفتها تتجاوز التريليونين الاثنين، ومع ذلك صارت الفرحة تغمرنا بأن تنفذ المشاريع في وقتها وفي حدود التكلفة المتوقعة. لعل مرد ذلك أن تأخر وتعثر المشاريع أصبح ظاهرة، ولا أدري إن كنا –كمجتمع- قد وجدنا لها علاجاً، لكننا جميعنا تابعنا قرار مجلس الوزراء الموقر، بتكوين فريق للنظر في المشاريع، ولم يعلن أي تقرير عن جهود الفريق، كما أنه لم تعلن أي نشرة رسمية عن مدى تفشي ظاهرة تأخر وتعثر المشاريع. ويبدو أننا أمام أمرين: إما أن النسبة هامشية وضئيلة لدرجة أنها لا تستحق الدراسة والمتابعة ولا الافصاح، أو أنه ليس من شأن العموم تناولها باعتبار أن النشر عن أوضاع تنفيذ المشاريع التنموية شأن يُقرر خلف أبواب موصدة! لعلنا بحاجة لتقنين دور أرامكو في إشرافها على تنفيذ المشاريع الحكومية، بأن تؤسس شركة أرامكو السعودية شركةً لإدارة المشاريع، تقدم من خلالها خبرتها الواسعة في إدارة المشاريع، ولعل بوسع سابك أن تفعل الشيء ذاته، أو لعلهما تتعاضدان لتؤسسا "الشركة السعودية لإدارة المشاريع"، وتسند لهذه الشركة مهمة الاشراف على مشاريع الحكومة، ويصبح "دهنا في هريسنا" بعد أن "أنهكنا" الشركات العالمية لإدارة مشاريعنا على مدى عقود عديدة وما برحت، فقد ساهمت أرامكو السعودية في إنجاح مشروع استاد الملك عبدالله بخبرة رجالها، فالفريق الذي أشرف على تنفيذ مشروع الاستاد بقيادة المهندس رامز الحبيب وزملائه هم من أبناء الوطن ممن اكتسبوا الخبرة وتدرجوا في الشركة لسنوات طوال. ليس ذلك فقط، بل الأمر يتعدى التنفيذ للتشغيل؛ فعندما اكتمل تنفيذ المشروع ستقوم أرامكو بإدارته لمدة ثلاث سنوات، وقد انتدبت لتلك المهمة المهندس محمد المغلوث أحد رجالها المُجَرَبين. إذاً، لنعط القوس باريها ولنكلف مؤسسة مواطِنة قادرة وراغبة لتدير مشاريعنا وتشرف على تنفيذها، وبعد ذلك تشرف على حسن تشغيلها والحفاظ عليها فهي مكتسبات وطنية ثمينة تحقق رؤية ملكنا بتدبير الأكفاء من أبنائه وبناته، ممن صقلتهم الخبرة، وعركتهم ميادين التجربة.