د، محمد حامد الغامدي

هل يسافر العرب يوما بنخيلهم إلى القمر؟!

 لدى العرب موروث شعبي متناقض. لكنه موروث ملهم. يعطي وميضا بأشكال ايجابية وأخرى سلبية. يعطي للعرب مساحة مميزة ونادرة في متاهات انغلاقهم. فبجانب الجن وحكاياتهم. انتشرت في النفوس والمخيلة العربية. هناك حكايات أخرى تموج في العالم العربي. توجه مسيرة الحياة. أحيانا إلى كل منحدرات المحاذير. حتى التقاعس هناك من يشرع له ويتبنّاه. حتى الانحطاط هناك من يرتضيه باسم العادات والتقاليد.  نبدأ بسلاح (النظلة) أو (العين) كما يقولون. من المجال الثقافي للعرب المنتشي. سلاح غير مرئي لكن تأثيره واضح. كنتيجة جعلوا (العين) سببا لكل الأمراض الجسدية والنفسية التي يحملون ويعانون. يقولون: فلان (منظول) أو فلان صابته (عين). يقولون ذلك مع كل صغيرة وكبيرة. حتى حملة الدكتوراه من خريجي أمريكا وبريطانيا ظلوا حبيسين هذا التراث الغامض. تراث تحركه ثوابت ظلّوا قرونا يجترونها. يكذبون الكذبة ويصدقونها. تمتدح أحدهم فيرتعد رعبا. ثم يرد: قول ما شاء الله. يتعكر مزاجه طوال اليوم خوفا من نتائج المديح والإعجاب. انعدم الذوق العربي في مجال المديح والإطراء. خوفا من سهام العين التي لا يملكها غير العرب. كنتيجة، إن كنت ناجحا قللوا من شأنك.. ربما خوفا من تأثير العين السلبي. إن كنت فاشلا شمتوا وحقروا. دور سهام العين وأسلحتها انتفى. في بعض الجوانب يردون الفشل إلى سهام عيون أحدهم. مثال آخر يعزز الثبات والتيبس لدى العرب. يقولون: (جنّي تعرفه أحسن من جنّي ما تعرفه). حكمة يرددونها خوفا من المغامرة أو التغيير. مثبطات جعلتهم في مهب الرهبة والخوف من كل جديد. كنتيجة، التجديد غير مرغوب عند العرب وسيظل في ظل الأحداث التي يعيشها العرب بسبب ربيعهم المشؤوم.أتعجب لعدم وجود كليات لعلم النظلة العربي وأيضا للعناية بالحمير العربية، وقفت مع العرب عبر تاريخهم القاسي والجاف. هذا أفضل من رسائل الماجستير والدكتوراه عن تأثير الفول وعباد الشمس والفصفص على الكواكب الدوارة التي لا نشاهدها هناك برامج إذاعية أخذت على عاتقها تأليف أمثال مشابهة لأمثال شعبية. أمثال جارحة بكلماتها الصريحة والفاضحة. التي يصعب ذكرها بعد انكشاف عيبها أمام الآخر. لم تكن كذلك لأنهم كانوا أكثر شفافية وصدقا. أمثال غنية بالرسائل المختصرة والمؤثرة كلما زادت وقاحتها. اذكر أحد الأساتذة الكبار قابلني بعد حصولي على تصريح الدكتوراه. كنت متجها لإلقاء أول محاضرة في الجامعة. خاطبني قائلا: (الرقاصة من دخلتها). مضى في طريقه. يجب أن أفهم المعنى وقد فهمت. في موقف آخر، قابلني أيضا بعد أن انتهت فترة تكليفي بعمل قيادي. بادرني بعد أن عرف عدم تجديد مهمتي لهذا المنصب، قائلا: (اللي عنده حمار وما يركبوش يبقى حمار). ضحكت. وتساءلت هل يمدحني أم يسبني. مثال عبارة عن كبسولة تغني عن ألف كلمة. تقول العرب حفظها الله من كل مكروه. (اللبيب بالإشارة يفهم). هل كل فرد عربي لبيب؟! رسائلكم يجب أن تكون واضحة. محددة الفهم والمعنى. لم يعد هناك أي لبيب عربي. انقرضوا بفعل الحروب التي يخوضون ضد بعضهم البعض. هل حافظت الأمثال على العرب في عصور الانحطاط؟! اعتقد في صحة ذلك. لكن ساد جور بعضها في الحياة. تحولت إلى اعتقادات لخلق المزيد من الانحطاط. هجر أحدهم بيته بحجة انه مسكون بالجن. هناك الكثير من الأمثلة فقط انظر حولك. ليتهم في الأرض المحتلّة. يؤمنون بأن أرض فلسطين مسكونة ويرحلون. لكن العرب أصبحوا كالفراشات. ترى النار وتنجذب إليها. ما سر تنازلاتهم؟! في ظلها يكيل العدو المزيد من الإهانات والقتل وهدم البيوت والترحيل وبناء المستوطنات. هل اصيب العرب بسهم عين الأمم الأخرى؟! أتساءل: لماذا لا تتبنى الجامعة العربية البحوث حول هذه الطقوس؟! يمكن استخدامها كسلاح لمحاربة إسرائيل. خاصة وأن هناك متخصصين في مجال إطلاق (النظلة) التي لا ترى حتى بالرادار. عرب يخصبون المفاهيم بمفاهيم ليس لها تفسير. يزيدون مساحة نفوذها في المجتمعات لزيادة حبكة الجن بينهم. في أمريكا سمعت أحدهم يمتدح صديقه ويقول: أنت قوي مثل الثور. قلت: عيب هذا الوصف. قال: ماذا تقولون أنتم؟! قلت: فلان جمل. قال: ما الفرق كلها حيوانات؟! منطقه هذا يعطي للحياة وللأشياء قيمة. في الجامعة التي كنت احد طلبتها.. جعلت من الكلب (السلوقي) شعارا لفريقها الرياضي. سمته أيضا باسمه. وفي كل مباراة تجد أحد الكلاب السلوقية في المنصة. متمددا بفخر على منصة خاصة. في حلة قشيبة واهتمام خاص. بعضهم يتخذ من أحد الثيران الغضبانة شعارا للتنافس. عندنا احتجوا على وجود صورة (حمار) على غلاف أحد المقررات الدراسية. رغم انه كان يبتسم لطفل صغير. لغة لم يفهمها العرب. يقولون: شعير مأكول ومذموم. في بريطانيا جمعية تعني بالحمير وشؤونها. وجدت أن الحمار (الحصاوي) من أشهر حمير العالم. يعتقد العرب خطأ أن اسمه (حساوي) بحرف السين. الصحيح هو (حصاوي) وليس (حساوي). كتبت مقارنة بين الحمار والكمبيوتر في التسعينات من القرن الميلادي الماضي. قد يسعف الحظ لإعادة نشرها لكم تكريما لهذا المخلوق. أنصح أن يتحلى البشر ببعض صفاته المجيدة. ومنها التأمل. أتعجب لعدم وجود كليات لعلم النظلة العربي وأيضا للعناية بالحمير العربية. وقفت مع العرب عبر تاريخهم القاسي والجاف. هذا أفضل من رسائل الماجستير والدكتوراه عن تأثير الفول وعباد الشمس والفصفص على الكواكب الدوارة التي لا نشاهدها. دراسات تتعجب من عناوينها. لكن هل يسافر العرب يوما بنخيلهم إلى القمر؟! في الصين سافروا إلى الفضاء ببعض عناقيد العنب. أصبح حجم خصلة العنب الصغيرة مثل الديناصور العربي. العنقود الذي كان وزنه واحد كيلوجرام أصبح يزن 10 كيلوجرامات. ما زلنا في تراثنا نتخوف من المجهول. نفسر الأشياء بتفسيرات خيالية وغير صادقة. كنتيجة، أنجزت العقول العربية المنغلقة خارطة للجن في دولة عمان الشقيق. لا لشيء. إلا لأن العقل عجز عن تفسير بناء نظام الأفلاج المائي الشهير. كنتيجة، أيقنوا في ظل عجزهم أنه من عمل وإنجاز الجن وليس البشر. هكذا في كل شيء عبر الأرض العربية عرضا وطولا.