طرفة عبدالرحمن

المنطقة المحظورة

يبدو أن (جيل الوسط) وهو الجيل الذي عاصر عهدين  يعاني أزمة تعايش وتكيف اجتماعي، لا تتعلق به شخصيا فقط؛ بل تتجاوز ذلك إلى أبنائه.. فالأفراد الذين عاصروا معايير العيب والعادات الصارمة التي كانت تحرم اجتماعيا معظم ما هو مقبول ومعتاد حاليا، أصبحوا مزعزعين بين ما تربوا على احترامه وقبوله من تشريعات العرف القديمة، وبين ما هو طبيعي بل ومطالب به عند جيل "الآي باد".. بعض الآباء والمربين بشكل عام يحاولون أن يتقبلوا أو يتكيفوا مع تصرفات أبنائهم المختلفة، ابتداء بأذواقهم في الملابس وانتهاء بتصرفاتهم العلنية على مواقع التواصل الاجتماعي.. هذا التذبذب والشعور بعدم الراحة ومحاولة إقناع النفس بأن هذه أمور طبيعية - وتغيرات في نمط الحياة الاجتماعية يجب مجاراتها بقدر معين - ليس بالأمر اليسير عليهم..إن من ينتهجون سياسة القمع لا يفلحون ومن يحاولون المقاربة بمثاليات ونصائح المربين في معظم الحالات لا يفلحون أيضاسمعت فضفضة كثيرة من بعض الأمهات عن معاناتهن المستمرة من القلق والخوف على أبنائهن من هذه المستجدات والتغيرات المتسارعة في نمط حياتنا الثقافي. خاصة أن الواقع فيها يكون بين طريقين كلاهما صعب المسلك بالنسبة له، فالأول أن يربي أبناءه بثقافته التي نشأ عليها؛ وهو مجبر في هذه الحالة على خلق نوع من العزلة الاجتماعية عليهم، وذلك بمنعه عنهم وسائل الاتصالات الحديثة ليضمن بذلك أحادية الثقافة التي يتعرضون لها، وهذا خيار عليه ان يتحمل تبعاته عليه وعليهم. أما الطريق الآخر فهو محاولة التأقلم مع المستجدات وإتاحة وسائل الاتصال والتواصل مع المحيط الثقافي الخارجي، مع فرض قيود ورقابة بسيطة على بعض الجوانب، وهو الخيار الذي تدخل منه عناصر الخوف والقلق المستمرة التي تحدثنا عنها سلفا في قضية فضفضة الأمهات. هناك من يتحدث عن حلول ومقاربات بين الطريقين أو الخيارين، وفي رأيي أن النصائح والحلول التي يعرضها كثير من  المختصين في هذا الجانب لا تتعدى كونها كلمات رنانة جميلة، وتبدو أنها فعالة في ظاهرها لكنها في حقيقة التطبيق تختلف وتتعثر، ويلاحظ أنها غير مجدية عندما حاول الكثيرون تطبيقها.إن من ينتهجون سياسة القمع لا يفلحون، ومن يحاولون المقاربة بمثاليات ونصائح المربين في معظم الحالات لا يفلحون أيضا.قد يتساءل البعض بعد هذا التشخيص أين يمكن أن نجد الحل؟ وما السبب في استعصاء الحلول لهذه الدرجة؟.للإجابة عن التساؤل الثاني باختصار؛ لأن تيار التغيير في المجتمع حدث سريعا ومفاجئا وبخطوات متقدمة جدا في عالم التقنية، والاتصال البشري الذي تمازجت فيه ثقافات متعددة انبثقت من جميع دول العالم. أما إجابة السؤال الأول فهي أن علينا أن نتحلى بقدر كبير من الهدوء وإزاحة القلق وعدم تضخيم الأمور حتى لو تفاجأنا بأفجع المشكلات..إن أسوأ ما قد يعانيه المرء زعزعة القيم، فهي مشكلة تجعل أحدهم يعيش في منطقة رمادية بين الأبيض والأسود، بين الظلام والنور بدون أن يبلغ إحداها بضمير مرتاح.. المنحرفون عن طريق الصواب بدرجة عالية، وكذلك المهتدون إلى طريق الرشد (طبعا بالعرف الاجتماعي) لا يشعرون بهذا التناقض، لأنهم لا يقفون في منطقة الوسط (تلك المنطقة التي يجب حظرها)  تلك التي تجعلهم لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.إذا لم يكن لدينا فلترة سريعة للعادات القديمة التي تقف حجر عثرة في تعايشنا المنظم والمقبول بالمنطق الواقعي سنعاني كثيرا، لا نتحدث عن تلك العادات والقيم الجميلة في ماضينا، بل تلك العقيمة التي قيدتنا ومازالت بغير وجه حق.