د . محمد حامد الغامدي

مع شعورنا بإفلاس الذّات

  قد يتساءل البعض. ما الذّات التي تحدثنا عنها في المقال السابق؟! للإجابة. أطوف بكم قليلا في مجال التأمل والتفكير. في مجال الحكمة. نسمع عنها. هل ترون الحكمة أو تعيشونها؟! الأصل في الإنسان الجهل. يعني عدم المعرفة بأي شيء. ورد هذا في القرآن الكريم. الآية رقم (78). سورة النحل. أعطى سبحانه البشر السمع والبصر كأدوات للتواصل. هذا يؤكد، أنه بجانب متطلبات بناء الإنسان الجسدي، هناك متطلبات لبناء الذات عن طريق هذه الأدوات.  تقول العرب: الفرد مخبر وليس مظهرا. هذا المخبر هو ذاتك. رصيدها لا يُشاهد. لكن لهذا الرصيد علامات ومؤشرات. وميض يُدفق بجرعات وأشكال في مسيرة حياة الفرد. عليه تعتمد الفروق الفردية. هذا الدّفق تميزه النّاس بسهولة في المواقف. قد لا يمثل مظهرك وشكلك. الله خلق الإنسان في أحسن تقويم. بقي على هذا الإنسان بناء ذاته بكفاءة وجودة. الذات تحمل الخفايا والأسرار كالصندوق الأسود في الطائرات.الحضارة نتاج بناء عضلات الذات وليس بناء عضلات الجسد. غنى الذات وثراؤها محصول ما تجنيه وتحصده وتبنيه داخل نفسك طوال سني حياتك. محصول لا يراه غيرك. لكن يحس الآخرون بتأثيره من خلال العطاء أيا كان نوعه  نهتم كآباء بتغذية جسد الأبناء. نترك ذاتهم في خبايا الجسد فقيرة، مريضة، وجاهلة. نربي الجسد لأننا نشاهده. يعجبنا مظهره وقوته ونضارته وجماله. نتجاهل بناء الذات لأننا لا نراها. قوتها غير مرئية. نهتم بالجسد المرئي. نُغذي ونبحث عن ملامحه وانتفاخه عرضا وطولا. نتجاهل فلسفة الحكمة العربية: (العقل السليم في الجسم السليم). نركز على الجسم دون العقل. هل تشكل قوة الجسد وحدها قوة عطاء وبناء ومشاركة؟! هل تشكل لوحدها انجازا حضاريا؟! هذه الأنعام أمامنا. انظروا إلى قوة عضلاتها. هل غيرت شيئا في مسيرة حياتها؟! قوة الذات بمقوماتها الإيجابية تغير مسيرة حياة البشر.  الذات مستودع الطاقات. زرعها الله في البشر دون تمييز. نحتاج من يفجرها ويستغلها ويوظفها. من هذه الطاقات العظيمة. طاقات التّعلم، والعمل، والتفكير الخلاق المبدع، والطموح، والآمال. طاقات يملكها البشر. يختلفون في استثمارها. توظيفها في خطوط متوازية تشكل النهوض الشامخ لأصحابها. لا بد أن تعمل جميعها بشكل متناسق وشامل ومتزن. يجب أن لا يطغى بعضها على بعض. لا ينفع أن تهتم ببعض هذه الطاقات دون أخرى. ذلك شرط عملها بشكل كفء.  كيف تنظر إلى ذاتك؟! هناك مقارنة. بمن تقارن نفسك؟! هل تقارن بجاهل أم بعالم؟! بأي شيء تقارن؟! سؤال يأخذ أبعادا غير عادية. في النّهاية أرجو عدم القول: (حليلنا). عبارتنا الشهيرة مع شعورنا بـ (إفلاس) الذات. حتى العلماء قد تكون ذاتهم خرابة في جوانب كثيرة. يحملون إجازة الدكتوراة في علم محدد. لكن ذاتهم خاوية من المواقف الانسانية. العلم بداخلهم يحتاج إلى إدارة تملك فلسفة. إدارة تدير وتفهم الدور وتستثمر. في غياب الإدارة يتعطل العطاء. التخلف مرض الذات البغيض. بالمقابل قد يكون هناك فرد أمي لا يقرأ ولا يكتب. لكن ذاته بناء شامخ بالمواقف الانسانية. يشع نورا وخيرا وعطاء. لنا في رسولنا (صلى الله عليه وسلم) خير قدوة.  الحضارة نتاج بناء عضلات الذات وليس بناء عضلات الجسد. غنى الذات وثراؤها محصول ما تجنيه وتحصده وتبنيه داخل نفسك طوال سني حياتك. محصول لا يراه غيرك. لكن يحس الآخرون بتأثيره من خلال العطاء أيا كان نوعه. أيضا ذاتك محصلة مشاعرك، معلوماتك، مواقفك، اتجاهاتك، أفكارك، وقيمك. تتشعب الاشياء في ذاتك لتغطي دورك في الحياة. كل فرد يستطيع أن يدرك ذاته على حقيقتها. وليس كما يتمنّاها. الأماني مؤشر تخلّف وتقاعس. الطموحات مؤشر حضاري. لا يوجد دواء سحري لبناء الذات تشتريه من الصيدلية. الدّواء أن نعرف وبشكل مبكر أهمية بناء الذات. الأجيال بحاجة إلى بناء الذات وليس إلى بناء الجسد فقط عن طريق تعليف البطن. العقل يحتاج إلى التعليف أيضا بما يفيد.  الحياة تفاعل وخليط من المشاعر والمعتقدات والمواقف المسبقة، وهذه مع غيرها تشكل التصورات والمدركات لدى الفرد. على الجميع السعي من أجل تحقيق الحصول على ذات مثالية. هذا يتحقق بتغطية جوانب عديدة أثناء التربية والتعليم وإعداد النشء للمستقبل. علينا تغطية الجانب العقلي بجانب تغطية الجانب الجسمي.    يستحيل تحقيق حضارة أو استيعاب حضارة أو المشاركة في حضارة بذات خاوية وفارغة. نحن نتعامل مع الحضارة بعقليات لم يتغير تفكيرها وسلوكها ومعلوماتها واتجاهاتها. نملك أحدث المنجزات الحضارية ونتعامل بعقلية عصور استخدام الدواب وبقية الوسائل البدائية. عشنا قفزة هائلة دون اعداد وتهيئة. بيننا من سافر مشيا حافي القدم. فجأة وجد نفسه يركب الطائرات وأحدث السيارات. كنّا نحتاج إلى أجيال عديدة لبناء وفهم ما تحقق.  أوضاعنا خير مثال. مازلت أذكر لقاء في جامعة الملك فيصل مع وزير التخطيط السابق (هشام ناظر) في عام (1980). سأله أحد الحضور: ماذا عن الإنسان في خطط التنمية؟! لماذا تم تجاهله في خطط التنمية؟! كان رد معاليه: التركيز على الإنسان يتطلب عقودا طويلة من البناء. هذا يعني تجاهل التنمية وتأجيلها حتى نبني الإنسان. استدرك قائلا نحن لن ننتظر. نراهن على القيم التي لدى المواطن السعودي، وأنها ستستوعب التغيير. كلامه هذا يعني أن التحديات كبيرة. البحوث العلمية وتطبيق نتائجها طريق النجاح الوحيد، لتخطي عوامل التحديات والمشاكل.  اليوم كل المؤشرات تحثنا على تعزيز القيم في ذات الأجيال. هذا يتم بالنظام الواضح للجميع. يجب تعليم الناشئة كل شيء. التعليم وتطبيق النظام على الجميع ينظم العلاقات. يوجه الناس إلى احترام ذاتها. التنمية ليست ألعابا. ليست ميدانا للتسلية. التنمية مسئولية مسيرة حياة. مسئولية بناء حضاري يجب الحفاظ عليه وتنميته أيضا. الكوارث والتناقضات التي نشاهدها تدل على عدم قدرتنا على استيعاب الانجازات حتى اليوم. رغم مرور أكثر من أربعة عقود على أول خطة للتنمية. هذا يعني فشلا في قدرتنا على استيعاب التغيرات التي طرأت. نحن بحاجة إلى إعادة النظر في كل شيء. وخاصة بناء ذات الإنسان محور إلهام كل شيء.