سالم اليامي

شيء من البورقيبية

من قدر له أن يكون في البلاد التونسية، في مطلع شهر أبريل؛ سيلاحظ بسهولة أن هناك شعورا جماعيا لدى التونسيين يحفزهم، عبر وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة، للاعتذار لروح وتاريخ الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة، مطلع هذا الشهر بورقيبي بامتياز، حيث العدد الكبير من المقالات والتحليلات والسير والذكريات التي تملأ الصحف عن الرجل، إضافة إلى البرامج الإذاعية والتلفزيونية الحوارية، وحتى الأغاني القديمة التي ربما مر على بعضها أكثر من ثلاثة عقود والتي تتغنى بالزعيم وإنجازاته تذاع وتكرر عبر الإذاعات الجهوية. ومع مرور عقدين من الزمان تقريبا، تم فيها التغاضي بصورة شبه متعمدة عن أي شيء يتعلق ببورقيبة وتاريخه، فكأن أهل تونس اليوم يفيقون؛ لينبشوا عن مكان الرجل في قلوبهم وعقولهم. قال لي حارس في مرآب عمومي بوسط العاصمة، كان يستمع لإذاعة محلية تذيع أغنية قديمة عن بورقيبة عندما سألته: هل إلى الآن تطربون يا أهل تونس عند سماع شيء عن هذا الرجل؟ قال: وهل نعرف غيره!! في خضم هذه الاحتفالية وجدت في مكتبات العاصمة التونسية  كتاب "البورقيبية والسياسة الخارجية لتونس المستقلة"، هو كتاب في الحقيقة قديم كتب في ستينات القرن لماضي وتحديدا في عام 1962 بواسطة الألماني "فيرنز روف"، العجيب في الأمر أن هناك حديثا في تونس بين أوساط المثقفين عن سبب العودة لترجمة هذا الكتاب إلى العربية عن اللغة الالمانية التي كتب بها في الأصل، كرسالة دكتوراه للمؤلف وهو لتذكير الساسة التونسيين الجدد بالأخطاء التي وقعوا فيها في ميدان السياسية الخارجية على وجه الخصوص منذ 2011م.في الكتاب فصول كثيرة، تتحدث عن الرجل كزعيم دولة في مواجهة الخارج، وأخرى تتحدث عنه كحاكم صعب المراس وشديد الخصومة في الداخل. كل ذلك أصبح من تاريخ الرجل وذكراه  كتاب البورقيبية في نسخته العربية يقع في 484 صفحة والكتاب في الحقيقة يحاول بيان وتعريف مسألة مهمة، هي قضية البورقيبية، حيث يرى المؤلف أنها ليست فكراً أو نظرية كما أنها ليست ايديلوجية كالناصرية على سبيل المثال. إنما هي إستراتيجية عامة تقوم على عنصرين اثنين: الذكاء، وإجادة التحرك والتكتيك الجيد. وهي بهذه الوصفة تضمن تحقيق أمر بالغ الأهمية في الحياة السياسية، وهو النجاح في المشاريع السياسية، بما يعني تحقيق أكبر قدر من أهداف راسم السياسة العامة. ويفصل الكتاب في مضمون هذه الإستراتيجية، فنجد أنه يشير إلى أنها تعتمد على إحراج الخصوم، والسعي لوضعهم في المواقف المحرجة والمتناقضة. الجميل أن المؤلف سعى لاستبطان الإستراتيجية البورقيبية، وحاول ابرازها للقارئ عبر الإشارة إلى ثلاثة مواقف مهمة في حياة بورقيبة، ولها صلة مباشرة بالعمل السياسي الخارجي. أول هذه المواقف: تصرف بورقيبة تجاه دول المحور، إبان الحرب العالمية الثانية، ففي الوقت الذي كان من المتوقع أن يقف إلى جانب الحلفاء الذين يناصبون فرنسا العداء، لأن فرنسا ببساطة تحتل الأرض التونسية، وقف إلى جانب الفرنسيين حيث سعى إلى إحراج فرنسا التي ترفض الاحتلال الألماني للأراضي الفرنسية، وتقبل أن تكون قوة احتلال للأرض التونسية! القضية الأخرى التي ناقشها الكتاب: هي قضية قبول بورقيبة بموضوع الاستقلال الداخلي لتونس، أو ما يمكن أن نسميه الاستقلال الشكلي، والذي يعني أن تبقى إدارة السياسة الخارجية والموارد المالية والقوى العسكرية لتونس بيد الفرنسيين، وهنا يقال إن الرئيس بورقيبة أوقع السياسة الفرنسية في عملية اعتراف منقوصة، يظهر فيها تناقض الساسة الفرنسيين مع مبادئ عامة تبشر بها السياسية الفرنسية على العموم، وهو ما قاد فرنسا في المحصلة النهائية إلى الاعتراف التام باستقلال البلاد التونسية الكامل؛ بعد كسب أبو رقيبة تعاطف الرأي العام الفرنسي والدولي مع قضيته. الموضوع الأبرز في إستراتيجية الرئيس الحبيب بورقيبة في ميدان السياسة الخارجية، موقفه في أريحا بفلسطين سنة 1965م، حيث طلب من الفلسطينيين القبول بحل الدولتين، تبعاً للقرارات الدولية المطروحة، في ذلك الوقت، والرضا بما يمنح لهم من أرض على أمل أن يتحقق لهم وللعرب من ورائهم التأييد الدولي، وخاصة الأمريكي والأوروبي، ومن ثم الحصول على تعاطف الرأي العام العالمي، والحصول يوما ما على الحقوق الفلسطينية والعربية كاملة. في الكتاب فصول كثيرة، تتحدث عن الرجل كزعيم دولة في مواجهة الخارج، وأخرى تتحدث عنه كحاكم صعب المراس وشديد الخصومة في الداخل. كل ذلك أصبح من تاريخ الرجل وذكراه التي عادت بروح جديدة بعد عقود من التغييب.