رغما عن أنوفهم
تحكي لي إحدى الساكنات في قرية نائية في السعودية، قصتها مع برنامج «الانستغرام»، وهو البرنامج الذي يتيح لك وضع صور يومياتك أو ما شئت من غيرها، ويتيح لك في ذات الوقت مشاهدة ما يضعه الآخرون من صور، وقد اعتاد الكثيرون على نشر صور معينة فيه تتضمن صورا لهم أو لموائدهم في المناسبات المختلفة ومشترياتهم والأماكن التي يرتادونها في سفرهم.. المهم هنا هو حكاية تلك الفتاة التي استخدمت هذا البرنامج، فحكايتها الصغيرة هي انعكاس لواقع حياتنا الكبيرة ولكن بصورة مركزة ومختصرة.. تقول: (لقد زاد هذا البرنامج من معاناتي، فالمكان الذي أعيش فيه لا تتوافر فيه أبسط مقومات الترفيه ولا توجد به مطاعم ومقاه على غرار ما هو موجود في المدن، والصور التي أشاهدها في هذا البرنامج زادت من شعوري بالحرمان، وبالرغم من حذفي لهذا البرنامج ومرور فترة ليست بقصيرة على ذلك إلا أن تلك الصور والمشاهد التي حواها ما زالت عالقة بذهني وقبحت في نظري أكثر ما كان قبيحا بالأساس في تلك القرية، فبمجرد عقد أبسط المقارنات بين حياتي فيها وحياة الآخرين في أماكن أخرى أجد تفاوتا حادا في الحالتين.. حاولت أن أبحث عن أي أمر جميل في ذلك المكان لم أجد... انتهى).التقليد ليس مشكلة بحد ذاتها إلا عندما يتكبد المقلدون فواتير ذلك الأمر مبالغ مادية ومعنوية لم ولن تشبع رغباتهم الاستهلاكية مهما عنوا لهاللمعاناة السابقة أبعاد وتعابير لم يشهدها إلا من سمعها من أصحابها.. قد يظن البعض أن هذه المشاعر تراود الأنفس الحاسدة أو السوداوية أو تلك التي لا تملك قناعة معتدلة بحياتها، لكن الأمر يختلف عن ذلك.. إن الشعور السابق يراود الكثيرين في المجتمع، صحيح أنه يحدث بدرجات متفاوتة تختلف باختلاف درجة الاعتقاد والتربية والعامل النفسي والفكري، لكنه في مجمله لا يختلف كثيرا عن فتاة القرية السابقة، ليس بسبب تفشي ظاهرة الحسد الاجتماعي المنبعثة من سوء الخلق والتهذيب النفسي بل بسبب عوامل الاستثارة التي تمارسها هذه البرامج الشبكية، فهي تعمق في النفوس الرغبة في الاستهلاك ومجاراة موضة الاستعراض الحاصلة في الواقع الثقافي الذي نحياه.. فلا أشد ألما من اغتيال براءة وقناعة الطفولة، فنحن نجد أطفالا صغارا يشعرون بنوع من الحرمان العميق لمجرد أنهم لم يرتادوا ذلك المقهى أو المطعم، ولم يستطيعوا أخذ بعض اللقطات التوثيقية لهم بداخله!! ولم تعد طلباتهم قاصرة على الرغبة في ارتياد الأماكن السابقة بل أضيف لها الرغبة في السفر واقتناء كل ما هو جديد من الأجهزة الإلكترونية والملابس ذات الماركات الشهيرة وإقامة الحفلات ليس لأجل متعة الحدث فقط بل لأجل التصوير والتباهي، فالصغار أصبحوا يقلدون الكبار، مثلما تقلد فئة الدرجة العليا من الطبقة الوسطى فئة الأغنياء. والتقليد ليس مشكلة بحد ذاتها إلا عندما يتكبد المقلدون فواتير ذلك الأمر مبالغ مادية ومعنوية لم ولن تشبع رغباتهم الاستهلاكية مهما عنوا لها، فهم ينتهون من تلبية حاجات كمالية ويدخلون في أخرى.. استعبدهم الاستهلاك وجعلهم يحيون في خطيئة الإسراف، تلك الخطيئة التي لم تذمها التشريعات الدينية فقط بل لعنها التاريخ وكان شاهدا بأنها إحدى مقدمات زوال النعم. يا عباد التباهي والتقليد أنتم لا تفسدون الثقافة وتجلبون الشؤم لمجتمعكم بل أنتم ترتكبون وزرا فوق الإسراف، فأفعالكم تعمق الحرمان والعوز ليس عند المحتاجين والفقراء فقط بل تفعل ذلك حتى عند الفئات المنتمية لذات طبقتكم، فأنتم تتناطحون وتتغايرون فيما بينكم، كمثل أفعال نساء اربع اجتمعن على ذمة رجل واحد.