ألف شمس ساطعة على كابول
يستوحي هذا المقال عنوانه من رواية قرأتها للروائي الأفغاني الأمريكي خالد حسيني A Thousand Splendid Suns ألف شمس ساطعة، والتي صدرت في عام 2007. وهي الرواية الثانية له بعد رواية عداء الطائرة الورقية The Kite Runner، التي صدرت في عام 2003 ولاقت رواجا وشهرة عالمية. كلتا الروايتين تدور أحداثهما في افغانستان منذ أواخر العصر الملكي، وحتى المرحلة الانتقالية بعد طالبان. وعنوان "ألف شمس ساطعة" هو عنوان مقتبس من قصيدة الشاعر الفارسي صائب التبريزي من قصيدته "كابول" في القرن السابع عشر التي يقول في مطلعها:لعبت إيران دورا مهما في تسهيل مهمة الولايات المتحدة الأمريكية في التدخل في أفغانستان؛ وذلك لإسقاط نظام طالبان، وهي الآن تعمل على إعاقة الوضع الأمنيآه! كيف هي كابول جميلة ويحاصرها الجبال القاحلة والزهور بها الشوك يحسده والرياح لها تراب يدخل إلى عيني فيلدغها ولكني أحبها، ومحبتي للمعرفة ولدا في نفس هذا الترابإلى أن يقولوكل شارع من كابول هو آسر للعين ومن خلال الأسواق وقوافل بالمرور إلى مصر لا يمكن للمرء أن تحصي أقمارها أو يميض لها أسطحوألف شمس رائعة تم اختيارها من وراء الجدرانلا أكاد أنسى ذلك اليوم لما كنا نجلس أنا والدكتور كمال وهو افغاني بريطاني ومتخصص بالشأن الافغاني، في مقهى (اسكواير) المطل على النهر في مدينة درم، ونحن نحتسي الشاي المقدم مع الكيك الانجليزي بالفواكه المجففة، مد لي كمال اولى روايات خالد الحسيني "عداء الطائرة الورقية"، وقال اقرأ عن مقبرة الامبراطوريات قرأتها كانت رواية جميلة بل رائعة، تحاول ان تدخلك الى النسيج الاجتماعي الافغاني، تقرأ التوترات العرقية بين البشتون والهزارة وحياة مليئة بالتعب وكثير من العبث. كنت أنا وكمال دائمي الحديث عن افغانستان او مقبرة الامبراطوريات كما كان يحب ان يسميها، اشنف اذني بكلامه عن الحروب المتواصلة والمآسي التي مرت بها أفغانستان وكيف دفعت بالكثير منهم إلى مغادرة بلادهم، والانتقال إلى بلدان أخرى، ومنهم الدكتور كمال نفسه وكذلك خالد الحسيني كاتب الرواية واستقراره في امريكا، بحثاً عن الأمن والأمان قبل البحث عن لقمة العيش.تذكرت هذه القصة وأنا أشاهد قبل ايام الانتخابات الافغانية، التي شارك فيها الملايين من الافغان بشجاعة، وتحت ظروف قاسية وكيف كانوا يسخرون الدواب لنقل صناديق الاقتراع عبر الطرق الوعرة؛ للإدلاء بأصواتهم. واستمرارهم في التصويت رغم تكرار تهديد حركة طالبان والجماعات المتطرفة والإرهابية الأخرى بعدم المشاركة، وذلك بحثا عن الامن والاستقرار. إلا أن السؤال الذي تبادر الى ذهني وانا اشاهد هذه الانتخابات وهذا الاقبال الهائل، هو جدوى هذه الانتخابات في تحقيق انتقال ديمقراطي سلس للسلطة، بعد فترة حكم الرئيس حامد كرزاي، الذي حكم افغانستان منذ سقوط نظام طالبان اواخر عام2001، واستمر حكمة طيلة 13 عاما انتخب مرتين في 2004 و2009 وفشل في تحقيق الامن والاستقرار وقيادة البلد نحو الديمقراطية. واعتقد انه كان واحدًا من أكبر العقبات في طريق إعادة بناء أفغانستان. ولعلي هنا اقتبس تعليق صحيفة ذي إندبندنت البريطانية ردا على تساؤلي في "إن الطريق إلى الديمقراطية في أفغانستان وعرة وعورة التضاريس التي تضطر الأهالي إلى استخدام الدواب لنقل صناديق الاقتراع". لكن اعتقد ان هذه الانتخابات مهمة وتكمن اهميتها في ثلاثة أمور رئيسية:أولا: ان هذه الانتخابات تجري في ظل استعداد قوات حلف شمال الأطلسي سحب معظم قواتها من هناك بحلول نهاية العام 2014، وذلك بعد ان اعلنت ادارة اوباما في11 يناير 2013 ان القوات الافغانية سوف تولى زمام المبادرة الامنية على الصعيد الوطني في ربيع عام 2013، والقوات الامريكية ستنتقل إلى دور داعم. ويعد هذا الانسحاب اختبارا كبيرا لاستقرار البلاد وعدم انجرافها الى مزالق العنف والحرب الاهلية. حيث يرى كثير من المحللين ان هذا الانسحاب يمكن ان يكرر سيناريو الانسحاب السوفيتي عام 1989، فحينما توصلت القيادة السياسية في الاتحاد السوفييتي إلى استنتاج بتحويل الحرب إلى معركة أفغانية داخلية، وتسليم السلطة إلى نجيب الله؛ أدى ذلك إلى تفجر الوضع وإدخال البلاد في حرب أهلية استمرت اكثر من عشر سنوات. وقد أكد هذا الطرح الجنرال ستانلي ماكريستال القائد السابق لقوات حلف شمال الأطلنطي في أفغانستان بين منتصف عام 2009 إلى منتصف عام 2010، من أن أكبر خطر يواجه أفغانستان بعد انسحاب القوات الدولية منها العام الجاري هو الحرب الأهلية. ان عدم الاستقرار السياسي في أفغانستان واستمرار الفوضى يزيد من احتمال ان تكون افغانستان بؤرة اخرى للارهاب والجماعات الدينية المتطرفة ومعضلة أمنية للمجتمع الدولي.الأمر الثاني: ان حركة طالبان ما زالت مسيطرة على معظم ارجاء البلاد، وان انسحاب القوات الاجنبية قد يترك الباب مفتوحا لعودة الحركة مره اخرى. ففي تقرير نشرته صحيفة تايمز البريطانية عن تقرير عسكري امريكي سري ان طالبان تقترب من استعادة السيطرة على أفغانستان، بعد أن تنسحب القوات التي يقودها حلف شمال الأطلسي من البلاد. وهذا التقرير "السري جدًّا" حسب التايمز أعده الجيش الأمريكي في قاعدة باجرام الجوية في أفغانستان؛ ليطلع عليه كبار القادة العسكريين في الحلف. وبالتالي فإن الاموال التي ضخت والدماء التي سكبت منذ عام 2001 لم تتمكن من القضاء على طالبان وتحقيق الاستقرار.الامر الثالث: التغلغل الايراني في افغانستان. إيران تسعى الى لعب دور اقليمي فاعل في افغانستان، وترى في افغانستان مجالا حيويا. فقد لعبت ايران دورا مهما في تسهيل مهمة الولايات المتحدة الامريكية في التدخل في افغانستان؛ وذلك لإسقاط نظام طالبان، وهي الان تعمل على اعاقة الوضع الامني والعمل على نشر الفوضى السياسية والتوترات الامنية في محاولة لتخريب مصالح الدول الاقليمية، مثل: المملكة العربية السعودية، وباكستان، وذلك بالنظر إلى التوترات بين السنة والشيعة بين ايران وبين هذه الجهات الإقليمية الفاعلة. وقد ذكرت في مقال سابق "السعودية- الهند.. نحو ترتيبات سياسية وأمنية جديدة" أنه في ظل الانسحاب الامريكي فإن تعاونا سعوديا مع كل من الهند وباكستان مطلوب، في مقابل هذا النفوذ الايراني في افغانستان.