«مها» لم تصعد إلى القمر
ليست المرة الأولى التي تستوقفني فيها مادة إعلامية وأتفاعل معها ويتيسر لي أن أنقل ذلك التفاعل للقراء عبر هذه المساحة الأسبوعية، وليست المرة الأولى التي يكون جوهر موضوع الكتابة مع القراء عن وجه نسائي سعودي قدم عملا متميزا على المستوى الشخصي وعلى مستوى العطاء للوطن، وربما وصل صدى ما قام به من انجاز علمي ومعرفي أو ثقافي لخارج حدود الوطن. هذه النماذج عندما تصادفني أفضل الحديث والكتابة عنها وحولها لأسباب إنسانية ووطنية بالدرجة الأولى، وتعبيرا عن قناعة بأن بناتنا واخواتنا من السعوديات قادرات وبجدارة على تحقيق الكثير من الانجازات العلمية والثقافية مما يشهد بتفرده وتميزه الغير. من العنوان سيدرك القراء الكرام أن الموضوع يتعلق بسيدة اسمها مها وهذا صحيح، فالدكتورة مها المنيف سيدة سعودية حاصلة على درجة البكالوريوس في الطب والجراحة وحاصلة على البورد الأمريكي في طب الاطفال ومكافحة العدوى. وهي عضو الجمعية الأمريكية لطبهذه الجهود للسيدة مها جعلتها في الصف الأول بين ثماني سيدات من مختلف دول العالم تم الاعلان عن تكريمهن الاطفال. وفي المملكة تشغل الدكتورة مها منصب المديرة التنفيذية لبرنامج الأمان الأسري الوطني، وهي في ذات الوقت مستشارة غير متفرغة في مجلس الشورى السعودي. الأمر الذي لفتني في تجربة الدكتورة ومسيرتها العلمية هو توظيفها لخبرتها وتخصصها العلمي في ميدان طب الأطفال لخدمة مجتمعها وتصديها لقضايا اجتماعية صرفة وهذه القضايا في الحقيقة على ارتباط ببعضها. وعرفت من تتبع سيرة السيدة الدكتورة انها استفادت من التجربة الأمريكية في ما يمكن أن نسميه بانتقال أثر المعرفة، بمعنى الاستفادة من خبراتنا ومهاراتنا في ميدان ما بتسخيرها في تنمية وتطوير ميدان آخر. وكلا الميدانين يصبان في مصلحة الناس وهذا هو المهم في رأيي من خلاصة التجربة. هذه الجهود للسيدة مها جعلتها في الصف الأول بين ثماني سيدات من مختلف دول العالم تم الاعلان عن تكريمهن ومنحهن جائزة الشجاعة الأمريكية للدفاع عن حقوق الانسان والمساواة والتقدم الاجتماعي التي تقدمها وزارة الخارجية الامريكية منذ العام 2007م. في الحقيقة هذا التكريم طال المرأة السعودية وهو أمر ايجابي بالنسبة للسمعة الدولية للمملكة العربية السعودية أن تحتل سيدة سعودية مكانا في هذه الجائزة. في العالم الثالث على العموم لا يزال هناك قدر كبير من الحاجة لتطوير مفاهيم حماية حقوق الانسان بما في ذلك الحقوق الخاصة بالطفل والمرأة وضرورة النأي بهم عن التمييز والعنف. وبنفس القدر لا تزال هناك حاجة ملحة في تطوير معايير وآليات وقوانين وتشريعات حقوق الانسان الخاصة بحماية هذه الفئات من العنف. واعتقد أن الجزء الذي تحقق لدينا في المملكة بناء على مجهودات الدكتورة مها ومن يساهم معها من السعوديات والسعوديين في هذا المضمار أعتقد أنه انجاز وطني يستحق الاشادة كما يستحق القائمون عليه الدعم والمساندة، وكلي يقين انه سيلقى من الدولة كل الدعم والرعاية. خاصة أنه جاء على مستوى خلق تغييرا في القوانين والتشريعات بمعنى أنه استلزم تغييرا حقيقيا في بنية المؤسسات التي تقوم على تطبيق حماية وصيانة حقوق الانسان. وبالمناسبة تابعت غير مقال عن موضوع الجائزة، وبعض التقارير في صحافتنا المحلية ومنها تقرير ضافٍ في صحيفة اليوم، ومع ذلك لمست في بعض المواقع نبرة غير مألوفة تعلق على الموضوع بما معناه، وأين الجديد؟! أو ان مها لم تصعد القمر بما صنعت. هذه الآراء على الرغم من قلتها ومحدودية تأثيرها يجب ألا تكون حجر عثرة في سبيل تطوير هذه المشاريع الرائدة اجتماعيا وانسانيا، وإن كان هناك تفهم جزئي لبعضها فلربما ليس بدوافع التقليل من جهود الدكتورة مها كباحثة وناشطة سعودية بقدر ما هو شعور مسيطر بعدم الارتياح من كل ما هو أمريكي أو يأتي من أمريكا وله علاقة بالمرأة عندنا على وجه الخصوص. وهذه المشاعر مهما كان تفهمنا لها لا أرى أنه من الانصاف أن تكون الستار الذي يغمط حقوق من يعملون لخدمة هذه المجتمع. كما أنها تشجعنا أن نقول لهم ببساطة إن الدكتورة مها فعلا لم تصعد إلى القمر والحمد لله انها بقيت على كوكب الارض لتساهم بوقتها وعلمها وكفاحها في تحقيق انجاز مهم في حياة المجتمع. فالعنف الأسري والعنف ضد الاطفال آفة اجتماعية مدمرة لو كانوا يعلمون.