الغبن الفاحش
حاربت الشريعة الاسلامية الظلم بكافة صوره وأنواعه وجعلته محرماً بين العباد ومن مظاهر محاربة الشريعة للظلم النهي عن الغبن الفاحش في البيوع والمعاملات بين الأفراد، وعدم استغلال جهل البعض بأثمان السلع في السوق. وقد نهى الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن تلقي الركبان، بمعنى شراء السلع والبضائع من القادمين من خارج المدينة قبل دخولهم إلى الأسوق ومعرفتهم بأسعار السوق لما فيه من تغرير وخداع قد يؤدي إلى الغبن وأكل أموالهم بالباطل.ويعرف الغبن في الفقه الإسلامي بأنه: «زيادة في الثمن المعتاد بالنسبة للمشتري ونقص عنه بالنسبة للبائع»، وهذا يعني أن الغبن هو الخداع في المبايعة، ويرد الغبن على المعاوضات ولا يمكن تصوره في التبرعات لأن المتعاقد في التبرعات يُعطي ولا يأخذ. والغبن نوعان غبن فاحش وغبن يسير، فأما الغبن الفاحش فإنه حرام شرعاً لما فيه من تغرير وخداع للمشتري لقوله صلى الله عليه وسلم: «من غشنا فليس منا»، وذلك كأن يشتري البعض سلعة بألف ريال أو أكثر وقيمتها الحقيقية في السوق خمسمائة ريال، فالمشتري هنا يكون قد تعرض للغبن الفاحش بسبب جهله بثمن السلعة بحيث لو تبين له مقدار الثمن الحقيقي للسلعة لما أقدم على التعاقد ولما رضي بهذا الغبن الفاحش، أما الغبن اليسير فهو ما لا يمكن تجنبه في المعاملات ويتسامح فيه الناس بسبب كثرة وروده في المعاملات والبيوع. وقد يرد الغبن على البائع كما يرد على المشتري ومن ذلك أن يبيع شخص عقارا بمبلغ مائتي ألف ريال وقيمته الفعلية ثلاثمائة ألف ريال، فهنا يكون البائع قد تعرض للغبن الفاحش.التشريعات القانونية الحديثة فقد أخذت فكرة الغبن تتطور شيئاً فشيئاً واستقرت على أن الغبن يتحققوقد حدد بعض الفقهاء مقدار الغبن الفاحش بالثلث، وقدره آخرون بالسدس، وحدده البعض الآخر بالعشر، والراجح والمستقر عليه أن يترك ذلك للعرف ولتقدير أهل الخبرة والمتخصصين في تقدير الثمن الفعلي للسلعة في السوق، فلو أشترى شخص بضاعة بخمسمائة ألف ريال وأردنا أن نعلم نوع الغبن الذي تعرض له المشتري أو البائع، عندها نلجأ للمقومين والمختصين في هذا المجال فلو حُكم على السلعة بأنها تساوي أربعمائة وثمانين ألفا وحكم آخر بأنها تساوي خمسمائة وعشرة آلاف فالغبن هنا يكون يسيراً لتقارب الأثمان، أما لو بيعت البضاعة بسبعمائة ألف أو أكثر أو أقل من ذلك بقليل فعندها يكون المشتري قد تعرض للغبن الفاحش.وعند تحقق الغبن الفاحش فللمتعاقد المغبون وفقاً لرأي جمهور الفقهاء ثبوت الخيار بين إمضاء العقد أو فسخه لأن الغبن ظلم والظلم محرم في الإسلام، كما أن هذا القول فيه تيسير وتسهيل للناس في جانب المعاملات. كما حرصت الشريعة الإسلامية غاية الحرص على تحريم الغبن الفاحش لإزالة الضرر عن جمهور المستهلكين وتحقيق النفع لهم تقديما للمصالح العامة على المصالح الخاصة. وفي التشريعات القانونية الحديثة فقد أخذت فكرة الغبن تتطور شيئاً فشيئاً واستقرت على أن الغبن يتحقق عند عدم وجود التعادل والتناسب بين ما يعطيه المتعاقد وبين ما يأخذه، وذلك من خلال استغلال ضعف معين في المتعاقد المغبون، والذي في الغالب يكون ضعفاً معرفياً ناتجاً عن انعدام الخبرة والدراية لديه بالشيء محل التعاقد. وتتجلى مظاهر الحماية للمتعاقد المغبون في العديد من التشريعات المقارنة في السماح للقاضي بالتدخل في العقد لرفع الغبن الفاحش، وللمتعاقد المغبون الخيار في طلب أمرين إبطال العقد أو إنقاص الثمن، فإن كان المغبون هو المشتري فيجوز للقاضي إنقاص الثمن بما يتعادل مع المبيع، وقد سبق لنا أن تطرقنا لسلطة القاضي في تفسير العقد وتعديل الشروط التعسفية أو إلغائها لحماية المستهلك من الغش والتحايل عليه.وختاماً، فلقد استطاعت المملكة من خلال تطبيقها لأحكام الشريعة الإسلامية تحقيق المصالح المرعية والحد من كل وسيلة تؤدي إلى أكل أموال الناس بالباطل ورفع الضرر والغبن والغش والاستغلال ودفعهما وتحقيق العدل في التعاملات التجارية، مما يؤكد صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان.