د. إحسان بوحليقة

6000 سنة نزرع تمراً

يعود تاريخ زراعة التمور في شرق المملكة إلى أكثر من 6000 عام، وقد حذق الأقدمون في زراعتها وفي تصنيع بقايا النخلة والتمرة تصنيعاً بدائياً تقليدياً. والآن، ومع تقدمنا في الصناعة الكيميائية، فلا بد من الالتفات للنخلة التفاتة استراتيجية عميقة تحمل معها إزالة أية عوائق أو موانع تحد من تحقيقنا للقوة الاقتصادية. إنتاج المملكة يتجاوز مليون طن، أي 18.5 بالمائة من الإنتاج العالمي، يصدر منه 5 بالمائة. وتجدر الإشارة أن ضعف تسويق التمور ظاهرة عالمية؛ فمن بين سبعة ملايين طن تنتج يسوق عالمياً قرابة عشرة بالمائة منها فقط. وتقليدياً، ستأتيك الإجابة أنه لابد من بذل جهود كبر لتحسين شبكة التسويق، وكذلك العمل على مواصفات التمور بما يمكن من فرزها ومقارنتها، وبعد ذلك وضع أسس لتسعيرها أو حتى للمنافسة فيما بينها، لاسيما أن عدد أصناف التمور في العالم يتجاوز 400. السؤال: التسويق ليس الخيار الوحيد، بمعنى أن نسوق الأنواع الفاخرة والقابلة للأكل، أما البقية فعلينا أن نستفيد منها بتصنيعها تحويلياً.التسويق ليس الخيار الوحيد للاستفادة من التمر؛ فنسوق الأنواع الفاخرة والقابلة للأكل، وما سواها فعلينا تصنيعها تحويلياً عوضاً عن رميها!منذ يوم الأربعاء حتى البارحة تلقيت اتصالات عدة حول «تصنيع التمور» وكيف أن كيمياء التمور بوسعها أن تجلب لنا فرصاً واستثمارات وتحقق للاقتصاد السعودي تنوعاً على أكثر من صعيد. بل العديد منهم بين أنه شرع أو على وشك أن يشرع في الاستثمار في الصناعات التحويلية للتمور، ومنهم من حكى تجربته. وهنا أتوقف أن هناك تحفظا رسميا فيما يخص انتاج الكحول الطبي من التمر، وهذا أمر يجب أن نجد له حلاً، بحيث نرفع المنع مقابل اتخاذ إجراءات مقننة لمنع سوء استخدام الكحول، والنقطة هنا أننا ما دمنا نستورد الكحول الطبي فلماذا لا نصنعه هنا؟ ولماذا نعتمد على الآخرين، وقد يكونون أعداء مناكفين، لتلبية احتياجاتنا الطبية، إذ أن علينا عبء الاعتماد على ذواتنا ما دام ذلك ممكناً. وفوق هذا، فهناك من المهربين من يجلب للبلاد ليس الكحول غير الطبي فقط بل حتى الحبوب المخدرة بأعداد هائلة تثبتها نشرات مصلحة الجمارك بين الحين والآخر.لا يجب أبداً تجاوز المنطق الاقتصادي للأشياء، فالاقتصاد –في الأساس- ليس طمعاً وجشعاً وتكالبا على الدنيا، بل حسن تدبير الموارد النادرة على تنوعها والسعي لتنميتها وامتلاك أسباب القوة. النخلة وتمرها مورد مهم، إذ يمكن أن تتولد منهما صناعات كثيرة مفيدة، ومن حسن التدبير أن ننتفع من كل سعفة ومن كل جذع نخلة؛ ومن كل تمرة. ومن يظن أن كل ما ننتجه من تمرّ يؤكل، فظنه في غير محله، إذ يلاحظ أن جلّ ما ينتج من تمر أصناف لا يقبل عليها الآكلون، بل ان نسبة مهمة مما ينتج لا يستفاد منها البتة، حتى يبدو أنه يثمر لكي يرمى! وهنا تأتي الفكرة الأساس للتدبير والاستفادة من الموارد المتاحة، وهي فكرة قديمة ليس فيها من الجدة شيء، لكن يبدو أنها تضيع وسط انشغالاتنا. ولعل الطرح العملي هو ما يقوم صندوق التنمية الزراعية من إطلاقه من مبادرات، التي نأمل جميعاً أن تتوافر لها أسباب النجاح لتصبح حقيقة ملموسة. ولعل الصندوق يدرك أن مبادرة النخيل والتمور لا ترتبط فقط بالمزارعين بل هي بحاجة لتعاون جهات عديدة تنظيمية وبحثية واقتصادية حتى يتسنى لنا رؤية صناعات زراعية تحويلية تستخدم التمر كلقيم.