رقص المعلمين.. وتراقص الأقلام
ربما يتذكر كثيرون- غيري- ما نشرته الصحف مؤخراً من تعليقات وآراء حول قيام بعض المعلمين بالرقص أمام طلابهم في إحدى مناطق المملكة. ومع أن الموضوع ما لبث أن خف الحديث عنه حتى وصل إلى الصمت، وهي ظاهرة كثيرا من الموضوعات والمواقف التي تتكرر، ورغم أهمية الموضوع وضرورة أن يأخذ ما يستحقه من البحث والنقاش وصولاً إلى الحكم على إيجابياته وسلبياته، أو الاتفاق على الأقل على موقف مجتمعي موحد منه، خاصةً عندما يكون في مثل هذه القضية ذات العلاقة بالتربية والأدب والشباب، وهي قضايا ينبغي أن يكون الموقف منها حاسماً وفاعلاً ومحدداً؛ اللافت للنظر أيضاً هو الاختلاف إلى حد التضاد في الموقف من هذه القضية بين أصحاب الأقلام الصحفية علىلماذا لا يستمر النقاش؟ أقصد الحديث حتى يتم الوصول إلى آراء متقاربةوجه الخصوص، ففي مقالين في صحيفتين مختلفتين حملا نفس العنوان (رقص المعلمين)، وبينما يتساءل أحدهما "هل من عيب في ذلك؟؟.. قبل أن يضيف قائلاً: أليس المعلم جزءاً من المشهد العام الذي يمثل ما يقارب 30% من موظفي الدولة؟؟.. ثم وهذا الأهم أليسوا بشرا يفرحون ويحزنون؟؟.. ثم يتابع أقواله محدداً موقفه بوضوح: ليس هنا خطأ في تعبير المعلم بالرقص- غير الخادش للحياء- في مدرسته وبين أبنائه، سواء التقطت مقاطع له أم لم تلتقط". أما الكاتب الآخر وفي مقالة حملت نفس العنوان فيتخذ موقفاً مختلفاً تماماً حيث يقول: "ببساطة لأن الرقص في غير مكانه سوء سلوك وقلة أدب وتربية، وحينما يقوم به معلم داخل المدرسة فهو انتهاك صارخ لكل القيم السوية التي جاءت أصلاً كي تزرع في الطلاب، وتتم تنميتها بطريقة آمنة كما يظن الآباء والأمهات الذين وضعوا ثقتهم في هذا المعلم، والذي هو أهل لها في الغالب الأعم ما لم يرقص على (وحدة ونص)، ويضيف الكاتب قائلاً: هذه التصرفات البلهاء تسيء إلى المعلمين، وتكرس صورة مغلوطة تماماً عن آلاف الشرفاء منهم الذين كانوا علامات مضيئة في جبين المهنة". الأول يرى في رقص المعلمين أمراً عادياً مشروعاً بينما يستنكره الآخر أشد الاستنكار، فإذا كانت الأقلام والقنوات الإعلامية هي التي تصنع الرأي العام وتوجهه، فكيف يمكن أن يصنع هذا الرأي في ضوء هذا التباين الواضح في قضية اجتماعية هامة؟؟.. ثم هل يساهم انقطاع الكلام بسرعة وسكوت الأقلام عن الكلام المباح دون مناقشته بشكل يستوعب إيجابياته وسلبياته في إيضاح الأمر وتقريب وجهات النظر أو تحديدها على الأقل.. ألا يأخذنا تراقص الأقلام هكذا بين الآراء إلى تراقص الأفهام وحيرتها.. لماذا.. لا يستمر النقاش.. أقصد الحديث حتى الوصول إلى آراء متقاربة بحيث يمكن التعامل مع نفس الموقف مستقبلاً بأساليب ناجعة.. والحكم عليه بالخطأ والصواب.