سالم اليامي

الوجه الآخر لرجل الدولة

تابعت بحزن مثل معظم السعوديين والسعوديات زيارة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن نايف إلى أسر رجلي الأمن المغفور لهما بإذن الله الوكيل رقيب المجرشي والرقيب الخبراني. وذلك لنقل عزاء خادم الحرمين الشريفين لأهلهم وذويهم. وبما أننا في زمن إعلام الصورة، كما يقول أهل الاختصاص في الإعلام الحديث، سيطرت على مخيلتي صور سمو وزير الداخلية وهو محاط بالأطفال وأكثر من ذلك تباسط سموه معهم وتبادل الاحاديث مناصفة بينهم وبين الكبار. كان المشهد مفعما بدرجة عالية من الاتصال رغم مناخ العزاء العام والحزن البادي على وجوه الحاضرين. حركة الأطفال كانت قريبة من التلقائية،ما أحوجنا للتعرف على الإنسان داخل بعض مسئوليناوكانوا يتحركون بحرية وعلى قرب كبير من سمو الأمير وكان يبادلهم بشكل طبيعي الالتفات والاصغاء والاهتمام إلى ما يقولون. هذه الصور وما تحمل من معانٍ عميقة أعادتني بالذاكرة إلى أحد عشر عاما مضت، حيث كان المغفور له بإذن الله الأمير نايف بن عبدالعزيز -غفر الله له- يتلقى العلاج في مصحة بمنطقة جون لييه في احدى ضواحي مدينة جنيف السويسرية، وكان صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن نايف يودع الزوار الذين قدموا للسلام على سمو والده -غفر الله له- فردا فردا ويشكرهم بشكل شخصي على الحضور. السعوديون الذين غصت بهم الحجرة التي كان يرقد فيها الامير نايف -رحمه الله- كانت تتسع لما يفوق الخمسين شخصا، وكان من الحضور العسكريون والدبلوماسيون وأمراء المناطق والوجهاء وشيوخ القبائل والأدباء والشعراء. الكل كان يلقي السلام ويدعو للأمير بالصحة والسعادة على طريقته، والبعض كان يبلغ تحياته وتحيات أهل منطقته التي جاء منها حتى أن الحضور  يمكنهم أن يسمعوا أسماء المناطق وتحيات أهلها من تثليث إلى الوجه إلى القطيف إلى جازان. ويبقى محمد بن نايف الوجه البشوش القريب من كل شخص يصافحه ويحييه، وتبقى عباراته بالشكر على الحضور والزيارة مستقرة في أذهان الجميع. قراءتي الخاصة لصور الأطفال أثناء تقديم العزاء وذكريات اللقاء بسموه وتلمس مدى الحميمية والاهتمام الصادق من سموه بالآخرين يكشف بجلاء الوجه الآخر لرجل الدولة الإنسان على العموم. أقول ذلك لأننا اعتدنا في العالم الثالث أن رجل الدولة ليس إلا كتلة من الحزم والقيادة والاوامر والتوجيهات. ولم نعتد على تلمس الجوانب الانسانية والشخصية لدى المسئولين، ربما لانهم لا يقومون بأدوار معينة من مهامهم القيادية والرسمية تعيننا على تلمس تلك الجوانب المحببة فيهم، أو لان البعض منهم يعتقد أن اظهار مثل تلك المشاعر والاحاسيس الانسانية لا يتناغم مع الشكل العام للشخصية القيادية العامة. دور القيادي ورجل الدولة ملازم لسمو وزير الداخلية منذ أن كان مساعدا لوزير الداخلية للشئون الأمنية، وجسد ذلك الدور بعد توليه مهام الوزارة وبعد الادوار التي تصدى لها في مسائل وقضايا كبرى تهم أمن المملكة وأمن الاقليم والعالم بأسره، كقضايا الارهاب ومعالجة آثار هذه الظاهرة محليا عبر برنامج سموه المشهور للمناصحة، ومن تتبع زيارة سموه الأخيرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وحاول قراءة بعض محاورها العامة والمعلنة من حيث عدد المسئولين الامريكيين الذين التقاهم سموه وطبيعة عمل كل منهم، والاهتمام الرسمي الامريكي بالزيارة يعرف أين يقف هذا الإنسان ضمن دوائر صناعة القرار في المملكة. وجاءت حملة خادم الحرمين الشريفين مع الأطفال السوريين عبر اليوم التضامني مع الشعب السوري وتقديم يد العون والمساعدة لهم وكان سموه المشرف العام للحدث، وهنا وجدت رجل الدولة يمارس بأدواته القيادية الحنو على الطفل السوري، ويذكي الهمم في مناصرة أطفال سوريا ودعمهم بالممكن. تجلى ذلك عبر تصريحات سموه المؤثرة والتي انطلقت من واقع الفهم الحقيقي للوضع في سوريا ودعواته للتحرك الانساني في الحدود الممكنة التي تدعم الاشقاء هناك، ولا تسيء للدور السعودي الاغاثي العام. سفير دولة عربية شقيقة بعد أن باشر عمله في المملكة التقى عددا من المسئولين الرسميين، كما تقتضي ظروف عمله، وأسر لي بأن أهم ما ميز لقاءه بسمو وزير الداخلية غبطته الشديدة أن اللقاء تجاوز الوقت المقرر، لأنه كان يتعرف على المملكة العربية السعودية أمنيا وسياسيا واجتماعيا من خلال حديث سموه الذي أظهر حميمية ومودة اسرت سعادة السفير. ما أحوجنا للتعرف على الإنسان داخل بعض مسئولينا.