في «ما لا يختلفُ عليه اثنان»
ربما كان الرئيس بنجامين فرانكلين (1706 – 1790م) يتهكم بأولئك الواثقين من آرائهم والمعتدّين بها حين قال: "يوجد شيئان مؤكدان في الحياة هما الموت والضرائب"، بعد ما يقارب ثلاثة قرون اقتبست عضو الحزب الديمقراطي، وحاكمة ولاية ديلاوير روث آن مينر، عبارة فرانكلين لتضيف إليها قائلة: "يقول بنجامين فرانكلين يوجد شيئان مؤكدان في الحياة هما الموت والضرائب، ولكني أود أن أضيف إليهما شيئاً آخرَ مؤكدا هو القمامة". وليس مستغربا أن تضيف السيدة مينر القمامة إلى قائمة الأشياء المؤكدة، لأن نظافة الولاية وصحتها جزء من مسؤولياتها، ولأن النفايات من المشاكل الحضارية المعقدة في عالم اليوم، لاحظ أن ذلك اليقين يتمحور حول أمور واقعية ملموسة: الموت والضرائب والقمامة، وهي فعلا أمور لا يختلف عليها اثنان. لكن لا السيدة مينر، ولا الرئيس فرانكلين يمكنهما أن يستوعبا وفرة الأشياء المؤكدة في حياتنا مما "لا يختلف عليها اثنان"، حتى إنه يخشى على "ربما وأخواتها" من الانقراض، وهو الحرف الذي اتخذه أحد المفكرين منطلقا لهجاء استبداد الآراء القطعية.سنظل بحاجة إلى شيء من التواضع والفضول المعرفي لتفسير ما يحيط بناوفرة المعاني المؤكدة هو ما يطبع ثقافتنا العربية منذ أفول شمس الفلسفة، وانحسار ثقافة الأسئلة. وقد ساهم هذا الوضع في تكريس حالة "مكانك سر" الثقافية، ولا شيء أكثر إثارة للاستغراب من تلك الأصوات الصاخبة الواثقة من كل شيء وهي تملأ حياتنا لغطا عبر المنابر الثقافية والاعلامية المختلفة، وإذا كان الشيء يعرف بنقيضه فإن مثل تلك الثقة تستدعي للذاكرة قول وليم سومرست موم: "إن الشيء الوحيد الذي ربما كنت متأكدا منه هو أني لست متأكدا من أي شيء". وتأمل كلمة "ربما" المتواضعة التي تزين عبارة سومرست موم.كنت قبل أسابيع أستعرض عناوين إحدى مكتبات البحرين بحثا عن كتب جديدة، فعثرت على كتاب من تأليف تيري إيغلتون عنوانه "معنى الحياة"، حينها عادت بي الذاكرة إلى سنوات الدراسة الأولى، وإلى مادة التعبير في المرحلة المتوسطة، وتخيلت ماذا كنتُ، وزملاء الدراسة، سنكتب لو كلفنا المدرس بالكتابة تحت ذلك العنوان: "معنى الحياة"، سنكتب بثقة مطلقة ما نظن أنه المعنى، وسوف ندعم ذلك اليقين بمفردات على غرار "لا يختلف اثنان، و لا جدال، ولا شك، ولا ريب"، وسوف ننفض الغبار عما تم تلقيننا إياه من أقوال وأمثال لنعزز به آراءنا، فهل يختلف ما يطرح هذه الأيام من آراء تتناول مواضيع مشابهة (فيها قولان وأكثر) عن أساليبنا الإنشائية القاطعة المانعة؟ ليس كثيرا، أما تيري إيغلتون فيبدو أكثر حذرا وتواضعا وهو يجيب عن السؤال المتعلق بمعنى الحياة، حين يقول: "بمقدورنا أن نطرح أسئلة.. لكن الواقع أكبر دوما مما تتوقعه أسئلتنا.. الواقع يتجاوز تأويلاتنا". ليس المقصود من تلك المقدمات تكريس نزعة شك مَرَضيَّة كتلك التي ابتلي بها بعض المتحذلقين، فالشك في كل شيء كما التصديق بكل شيء ضرب من الغباء، وفي هذا السياق، يضيف إيغلتون قائلا: "إذا كان صحيحا أننا بحاجة إلى درجة من اليقين لكي نستمر، كان صحيحا أيضا أن مقدارا كبيرا منه يمكن أن يكون قاتلا"، وبعد: سنظل بحاجة إلى شيء من التواضع والفضول المعرفي لتفسير ما يحيط بنا تفسيرا عقلانيا، ولفهم الحياة كما هي، لا كما يصورها الأوصياء على العقول، وسيبقى السؤال دائما مفتاح خزائن المعرفة.