محمد الصويغ

المجالس العائلية والتواصل الألكتروني

صحيح أن المجالس والديوانيات العائلية المنتشرة بشكل ملحوظ بحاضرة الدمام ومحافظات الشرقية كالأحساء، والخبر، والقطيف، تقوم بأدوار فاعلة وحيوية لدعم التواصل بين أفراد تلك العائلات، والتواصل مع غيرهم من أفراد عائلات أخرى ترتاد تلك المجالس والديوانيات، فأبوابها مازالت مشرعة منذ عشرات السنين لمن يرغب في حضورها من أهل العلم وأرباب الأدب ووجهاء المجتمع، ومازالت تؤدي أدوارها الاجتماعية المنشودة فهي تمثل جسورا من التواصل الواجب استمراريته والحث على الالتزام به والتقيد بمردوداته الايجابية على الأفراد والمجتمع، وبعض تلك المجالس والديوانيات ضاربة في عمق التاريخ حيث يعود انشاؤها إلى عشرات السنين الخالية، وتزدان حوائطها عادة بصور من أسسها من الأجداد، والمشهد يدعو للفخر والاعتزاز حيث إنها مازالت تؤدي أدوارها الاجتماعية الرائعة ومازال يؤمها روادها كل يوم سواء من أبناء العائلات الذين أسس أجدادهم تلك المجالس والديوانيات أو من أفراد عائلات أخرى تنتمي الى عديد من الطبقات الاجتماعية.هذه الأمور كلها صحيحة ومحببة إلى نفوسنا جميعا وصحيح أن تلك الملتقيات العائلية تمثل في جوهرها تراثا عربيا أصيلا تستمد استمراريتها من أصالة أصحابها وكرمهم ورغبتهم الشديدة والملحة في الابقاء عليها والحيلولة دون اندثارها، وقد تحول بعضها بالفعل إلى منابر علمية وأدبية تشع منها أنوار الثقافة والمعرفة، وتحولت إلى تقليد مجتمعي حميد توارثه الأبناء عن الآباء والأجداد، وتدور في جنباتها مناقشات مهمة لا تقتصر على الجوانب الحياتية اليومية التي يتعايش معها رواد تلك المجالس والديوانيات، بل تتعداها الى مناقشات ثقافية وفكرية ومعرفية هي على جانب كبير من الأهمية، ويتبادل فيها الرواد عادة جملة من الأمور الاقتصادية والتجارية والزراعية ونحوها، وقد يتطرقون في كثير من الحالات إلى حلحلة الأزمات والمشكلات التي يعاني منها بعض الأفراد المنتمين إلى تلك العائلات، وربما تطرقوا أيضا الى حلول لأزمات قد يعاني منها أفراد من خارج أصحاب تلك المجالس والديوانيات الملتزمين بحضورها والاستفادة من أحاديث ومناقشات روادها.وصحيح أن تلك الملتقيات تمثل كما أرى «مجتمعا مصغرا» ان صح التعبير، حيث ترتادها طبقات من المجتمع مختلفة اضافة الى أفراد عائلات تلك الملتقيات، ولها أهميتها الخاصة رغم المتغيرات والمستجدات التي طرأت على الحياة الاجتماعية، وأظن أن التمسك باستمرارية انعقاد تلك المجالس والمنتديات يعبر عن عادات أصيلة مازالت متجذرة في نفوس أصحابها، وعن حميمية علاقات أخوية نتمنى دوامها واستمراريتها.وصحيح أن الأحاديث الدائرة في تلك المجالس والديوانيات متشعبة وذات آفاق واسعة، حيث يستفيد البعض من آراء ومقترحات البعض في عدة مجالات ثقافية واقتصادية، ويتداولون ما يحدث في مجتمعهم من متغيرات وما ينفذ فيه من مشروعات تنموية وخدمية، ويتناقلون أخبار مجتمعهم بسرعة فائقة حيث يقفون على أحوال أسرهم وما قد ينتاب أفرادها من عوارض طارئة فيسارعون الى زيارتهم والاطمئنان على أحوالهم وحالاتهم.هذه الأمور كلها صحيحة ومحببة الى نفوسنا جميعا، غير أن من المؤسف كما لاحظت أثناء ارتيادي لعدد من تلك المجالس والديوانيات بزوغ ظاهرة كنت أتمنى لو أن بصيص نورها لم يبزغ، وهي منتشرة الآن بين الشباب لا الكبار، فاذا دخلت تلك الشريحة الى تلك المجالس سلموا على أصحابها، وما ان يستقروا في مقاعدهم حتى تمتد أياديهم الى جيوبهم ليخرجوا منها أدوات اتصالاتهم الألكترونية على اختلاف مسمياتها وأشكالها وأنواعها وأجيالها و «هات يارغي» مع أصحابهم ومعارفهم لمدة قد تبدأ بعد ثوان من دخولهم إلى تلك المجالس، وقد لا تنتهي الا بعد انفضاضها، فهم حاضرون بأجسادهم ولكنهم بعيدون عن أحاديث الكبار «كبعد الأرض عن جو السماء» كما قال عنترة، وتلك ظاهرة مؤسفة أخشى ما أخشاه ان استمرت أن تتحول تلك المجالس في المستقبل القريب الى مجالس ألكترونية، تتعطل فيها الحوارات المباشرة بين روادها، وتتحول معظمها الى حوارات عبر تلك الأجهزة الاتصالية، وحينئذ تفقد تلك الملتقيات أهدافها الاجتماعية المنشودة، حيث تصبح أحاديث بعض روادها من تلك الشريحة الشبابية بعيدة تماما عن أحاديث الكبار، فهم حاضرون بأجسادهم في تلك المجالس ولكنهم غائبون بعقولهم عنها.