إعلامنا الرسمي بعد تقسيمه بين الهيئات
خطوة متميزة التي أعادت هيكلة وزارة الاعلام والثقافة، فخرجت من رحمها هيئتان احداهما تعنى بالمحتوى (الاذاعة والتلفزيون)، والأخرى هيئة المرئي والمسموع التي تعنى بمراقبة المحتوى الإعلامي بل والمعلوماتي إجمالاً.فإن أضفنا هاتين لهيئة الاتصالات وتقنية المعلومات نجد أن الحلقة تكتمل لتأخذنا إلى قطاع اجتماعي وثقافي واقتصادي هو الأكثر نمواً في وقتنا الحاضر؛ فالإنسان كان ومازال وسيبقى كائناً مسكوناً بالأسئلة والرغبة في إشباع فضوله، ولا شك أنه فضول يتغير ويتبدل ويتحور مع نضوج الانسان عبر سني حياته وتجربته التعليمية والحياتية، وتؤثر في كل ذلك البيئة المحيطة بما تتيحه من معارف.لأجيال كان اتاحة المعلومة تحديا بحد ذاته، فلازلت أذكر كيف كان والدي «يتفاوض» مع الراديو الضخم (أبوشمعات) وعن هذه البيئة نتحدث اليوم، لأجيال مضت كان اتاحة المعلومة تحديا بحد ذاته، فلازلت أذكر كيف كان والدي «يتفاوض» مع الراديو الضخم (أبوشمعات) ليحظى بأخبار «هنا لندن»، ولن أنسى أبداً كيف كنت أقضي إجازتي الصيفية لأقرأ كتباً أقتنيها من دمشق وبيروت، فقد لا تتاح لي الفرصة أن اصطحبها معي في نهاية الإجازة. الآن الأمور تغيرت؛ فأصبح لدينا معرض للكتاب لا يبقي ولا يذر.وقبل أن يحط معرض الكتاب رحاله في عاصمتنا فقد تداولنا كثيراً -كمجتمع- حول ما عرف في وقت من الأوقات بمخاوف الغزو الفضائي، وكيف أن المحطات الفضائية ستهل علينا من كل حدب وصوب وتقذف علينا من أفكارها فتغربنا وتشرقنا وتأكل هويتنا!أما ما حدث بالفعل -كما عايشناه جميعاً- فهو أن ثورة المعلوماتية كانت أعم وأشمل، فأصبحت كل معلومات الدنيا (المقروءة والمسموعة والمرئية) تحت تصرف أي منا لحظة بلحظة وعبر جهاز لا يفارق راحة اليد! وفوق ذلك كله، أن ذلك يحدث تفاعلياً، فأنت لا تتلقى فقط بل تساهم بما لديك. والحديث حول تفاعلية الاعلام الحديث ووسائل التواصل الاجتماعي ليست تنظيرية، فقد بلونا بلاءً فيه قدر كبير من الحماس للتفاعل. السؤال: هل سياستنا الإعلامية مستوعبة للمتغيرات؟ وهل الهيئتان اللتان انبثقتا عن وزارة الاعلام استوعبتا المطلوب منهما؟ وستكون الإجابة بأنهما «جديدتان»، فمتى نتوقع أن ترتقي بإعلامنا السعودي للتحدي؟ أما مقولة ان الاعلام الرسمي لا يستطيع مجاراة اعلام القطاع الخاص، فقد سقطت من خلال الإنجازات المبهرة للعديد من الأجهزة الإعلامية الشقيقة، وأذكر دبي وأبو ظبي على سبيل المثال لا الحصر.وعبر هذا المثال يمكنني القول إن المطلوب من إعلامنا الرسمي أن يدخل معترك المنافسة على استقطاب المشاهدين والمستمعين والمتابعين عبر منظومة متكاملة من المنتجات الإعلامية الجاذبة، التي لا يعزوها الابداع ولا الابهار بما يجعلها تفوز بالمتابعين. وما دام الأمر كذلك، فنجد أننا قد أكملنا دورة كاملة من التقنين الإعلامي إلى الانفتاح، ولتتبدل مع هذا الدوران المواقع؛ ليصبح المتلقي هو مَنّ يختار بين بدائل، اختياراً إيجابياً، بعد أن كان في السابق يختار سلبياً بأن لا يشاهد المحدود من المتاح، إن لم يك يروق له.وهكذا، فمن المبرر القول إن التبديل الجذري في المواقع يستوجب تعاطيا مختلفا جذرياً على مستوى التعامل الرسمي، بمعنى أن على الهيئتين ألا تستمرا في السير على خطوات الماضي بل لا بد أن تجترحا طريقاً يتلاءم مع الواقع ويمت له بكل صلة.