استفزاز السلطة
من أراد منا ملاحظة التناقض وتضاؤل اللطافة في تعامل الناس مع بعضهم، ليس عليه سوى التأمل يسيرا في تجاذبات الحديث في المجالس التي يشهدها، سواء في مجلس الرفاق أو مجلس الأقارب أو زملاء المهنة أو العمل، أو عليه الانصات قليلا لثرثرة زوجته بعد حضورها من إحدى المناسبات، فهي بلا شك ستطرق مسامعه بمجريات أحداث المناسبة التي لا تخلو من تصرفات عديمة اللطافة قد تسببت هي فيها للأخريات أو تعرضت لها منهن.. وإن لم يكن أحدكم قد تزوج بعد فليلاحظ هذا الحديث في (حكايا أخواته). المشكلة أن خشونة التعامل و(التناقض السلوكي) هي بالأساس نتاج تراكمات استفزازية للجانب السيئ في أخلاقنا، بمعنى أن ثقافة التعامل الإنساني بين الأفراد في أي دائرة اجتماعية سواء العمل أو الأقارب أو حتى في بعض مواقع التواصل الاجتماعي، تجعلك أحيانا محاطا بأشخاص ضعيفين جدا فيأحد أسوأ أنواع الاستفزاز هو مناطحة الكلامضبط انفعالهم الهمجي أو الغوغائي تجاه أي حدث، أو أنهم متهالكون تربويا يعانون فقرا حادا في السمو الأخلاقي والذوق ونبالة الطبع، فتجد ألفاظهم التي ينتقونها دائما؛ ألفاظا رديئة وممزوجة أحيانا بسلوك على نفس الغرار، يستفز في الطرف المقابل ردة الفعل المماثلة.. فكثيرون هم من ينتهجون مبدأ المعاملة بالمثل، وأبسط حدث يمكن الاستشهاد به واسقاطه على هذا الموضوع، قضية رجل الأمن الذي قيل انه أساء لموقع سلطته عندما تعدى بالضرب المبرح على أحد مخالفي أنظمة المرور وأحدث له كسورا في بعض أجزاء جسده، فالمعتدى عليه كان مخالفا واستفز رجل الأمن بأسلوب غير لائق، وما كان من الطرف المقابل له وهو رجل الأمن إلا أن يستجيب لهذا الاستفزاز بطريقة غير مقبولة، وحدث ما حدث، علما بأن القضية قد لاقت تعاطفا كبيرا من العامة عندما عرضت على إحدى القنوات الفضائية، ورغم أننا نبدي تعاطفا مع ما لحق بذلك الشاب، إلا أنه يجب أن لا يحجب علينا رؤية الأخطاء المشتركة من كلا الطرفين بموضوعية وإدانة المخالفات التي تصدر من المتساهلين بالنظام ومحاولة استفزاز الطرف المقابل واستدعاء الجانب السيئ فيه. يجب أن يضع كل شخص في اعتباره أمورا أساسية كمبدأ للتعامل، وهي أن الإساءة عندما تقذف أو ترمى على أحد؛ ستصبح ككرة التنس أو المضرب تنتقل بين الجانبين، وفي أغلب الأحوال لن تنتهي تلك الضربات المتبادلة حتى تترك تبعات عاطفية لكلا الطرفين. كما أنه من الحكمة والذكاء والذوق أن لا تبادر بقلة الذوق مع الآخر مهما دفعت بك الظروف للتعامل مع أشخاص كريهين أو بغيضين.. يجب أن يحذف من قاموسنا الثقافي أن (الدق بالكلام) شطارة، وأن رد الصاع صاعين قوة، وأن التهكم والسخرية من الآخر فكاهة وخفة دم.. إذا وقفت الإساءة عندك فترفع عن ردها على السفيه أو الجاهل بمثلها فإن فعلها شخص عزيز على قلبك أو قريب لك فردها بالعتب أو بالصمت إن لم يكن للحديث حينها مقام.. إن أحد أسوء أنواع الاستفزاز هو، مناطحة الكلام مع قليل اللطافة أو عديم الذوق في أحد الأماكن العامة أمام مسمع ومرأى الناس، والتي غالبا ما تنتهي بالعراك المخزي، أو تلك المناطحة العقيمة التي تحدث بين الأحباب وتفضي إلى الجروح، أو تلك التي تحدث بين معشر النساء ويحشر فيها الرجال بفتنة وكيد النساء فتفضي في النهاية إلى إشاعة الكره وتقطيع الأرحام.