د. إحسان بوحليقة

الدول الوطنية والأسقف الزجاجية

الدولة الوطنية، مفهوم أتى إلى المنطقة العربية فتورطت به وتورط بها؛ وما نراه من اقتتال وصراعات ما هو إلا أعراض لذلك التورط وسمة لعدم القبول. ويحاول الكثير أن يجد أو يقحم تفسيراً طائفياً أو فئوياً أو عرقياً، باعتبار أن ما يحدث هو تغول للطوائف أو للأقليات، أو ارتهان البعض لأجندات خارجية، أو حتى رفض البعض لفكرة الدولة الوطنية من الأساس وأن لا بد من العودة عن فكرة الدولة الوطنية. ولعل من أصعب الأمور أن يرتكز الأكاديمي لإطار نظري غير مكتمل، وعدم الاكتمال قد يكون مقصوداً متعمداً ينبع من ميول الباحث وانحيازاته ومفهومه للصح والخطأ والحق والباطل، أو نتيجة لمحدودية إلمامه بما هو بصدده. وما يتعبنا هذه الأيام ليس فقط التجاذب الطائفي الذي أرهق الأمة لقرون، وليس فقط اقتتال المسلمين فيما بينهم الذي لطالما لطخ تاريخهم وضيع مكتسبات آبائهم وأجدادهم، بل نعاني من التنظيرات المنعزلة عن الواقع أو التي تلامسه ملامسة وتتناوله عن بُعد يُهمل تفاصيل جوهرية فيدخله ذلك في العموميات والتسطيح.ما يعنينا هنا علاقة باتجاهين: صلة الطائفة أو الجماعة أو أي أقلية عرقيةومؤخراً، تناول العديد من الكتاب الشأن الطائفي من منظور الدولة الوطنية. أما تناول الطوائف والمذاهب في كليات الشريعة فهذا تخصص مستقل. وعند النظر عن أي بحث أكاديمي السحنة، فالأهم مرتكزه ومنهجيته، حتى لا يصبح أقرب ما يكون للكتابات الانطباعية السيارة المتأثرة بمجريات الأمور وليس بمرتكزاتها؛ فالكاتب الأكاديمي معني بالتعمق في الأدبيات ذات الصلة، فلا يضع افتراضاته المسبقة بناءً على انطباعات عابرة. وإجمالاً، فالبحوث التي ندبجها لفهم ومعالجة الطائفية وسلوك الأقليات ضحلة؛ تقوم على أرضية متحركة وسط افتراضات مفتوحة وضبابية معتمة تأخذ شيئاً وتهمل أشياء. وما يعنيني هنا علاقة باتجاهين: صلة الطائفة أو الجماعة أو أي أقلية بالدولة الوطنية، وصلة الدولة الوطنية بالأقليات فيها. ولن أجترح لكم جديداً، لكن لنتحرك في هذا السياق، إذ لابد أن نُقرّ أننا نعيش في منطق يقوم على واقع الدولة لتكون هي المحور والأساس، باعتبار أنها دولة لكل أبنائها وإن تنوعت سحناتهم وتفاوتت مشاربهم واختلفت مذاهبهم. وأنها لا تقرب أحداً من مواطنيها أو تبعده ابتداء، وأن الفرص -من حيث المبدأ- متكافئة لهم جميعاً.  أما عندما يمارس المواطن مواطنةً مزدوجة، فذلك تجاوز لما تقوم عليه الدولة الوطنية. وبالمقابل، عندما تمارس الدولة احتضاناً متفاوتاً لمواطنيها فذلك تجاوز لما تقوم عليه الدولة الوطنية. وهكذا، فالفكرة بسيطة وهي أن الدولة الوطنية تستوجب إخلاص المواطن لها وتفانيه في خدمتها، وهي لن تتنازل عن  تكافؤ فرص مواطنيها والمساواة فيما بينهم؛ فهي لهم جميعاً. السؤال: ماذا عن مَنّ لا يخلص للدولة بالسعي لتخريبها، أو يُقدم مصالح جزئية على المصالح الوطنية؟ على الدولة الوطنية أن تدافع عن ذاتها على مستويين: أن تحمي وتقوي وتعزز اللحمة الوطنية، فتحافظ بذلك على مواطنيها من الاستقطاب القائم على التفتيت والتباغض. والثاني، أن تحتضن الجميع لذات الموضع من صدرها؛ فلا يتوهم أحدٌ أنه قريب دون إنجاز أو يدعي آخرٌ أنه بعيدٌ دون جرم.