حسن السبع

ما أكثر الأشياء التي لا أحتاجها !

سأستخدم هنا ضمير المتكلم لا لأعبر عن حالة خاصة بل عن حالات أخرى مشابهة؛ فأقول: لستُ قنوعًا كسقراط أو المعري، ولا زاهدًا يقول: «وحَسْبك من غنى شبعٌ وريُّ»، أو حكيمًا شعاره: «والنفس راغبةٌ إذا رغَّبتَها، وإذا تُردُّ إلى قليلٍ تقنعُ»، وإنما يصح عليَّ قول بشار بن برد: «لعمري لقد غالبتُ نفسي عن الهوى/ لتسلى فكانت حاجة النفس أغلبا/ ومن نكد الأيام أن اجتنابها/ رشاد وأني لا أطيق التجنبا». غير أني لستُ مصابًا بهوس الاقتناء والتسوق العشوائي؛ لذلك فإني كلما رأيت المعروضات التي تزخر بها واجهات المحلات في المجمعات التجارية تذكرت عبارة سقراط الشهيرة: «ما أكثر الأشياء التي لا أحتاجها!»، وتذكرت الحكمة المستقاة منها وهي تحقيق التوازن بين الحاجة والاستهلاك، فلا ترجح كفة على أخرى.نحن مجتمع مستهلك. هذا ما يحاول أن يذكرنا به الخبير الاقتصادي فضل البوعينين في حديث له مع جريدة الحياة حول مهرجانات التسوق التي تقام في المدن السياحية خلال الإجازات، حيث يرى أن مجتمعنا «منغمس في الاستهلاك، ولا يحتاج إلى مثل هذه المهرجانات التي من شأنها أن تدفعه للتسوق» والتي تثقل كاهل الأسر ذات الدخل المحدود، وما ينبغي التركيز عليه بدلاً من ذلك هو سياحة الترفيه والتواصل الاجتماعي «لأن المستفيد الأول من مهرجانات التسوق هو القطاع التجاري».ما ينبغي التركيز عليه بدلاً من ذلك هو سياحة الترفيه والتواصل الاجتماعيالمجمعات التجارية مترامية الأطراف، فإذا كنت مضطرا لأداء «واجب» الانتظار، ولست من هواة التسوق، فعليك انتهاز فرصة تواجدك فيها وممارسة رياضة المشي، ثم التوجه إلى أقرب مقهى وتناول كوب قهوة، أو اشغل نفسك بتصفح جريدة ما، وحل الكلمات المتقاطعة، أو تأمل أحوال المتسوقين. شاهدت في أحد المجمعات التجارية خارج الحدود رجلا مسنًّا برفقة زوجته يدفع عربة محملة بالمشتريات، فأوحى لي المشهد بهذه الأبيات: «تلفُّ به المجمَّعَ ألفَ لفَّهْ/ تقلِّبُ في بضائعِهِ بلهفهْ/ وقيسٌ منهكٌ يمشي وراها/ يخبّئُ ضيقَه ويشيعُ لطفَهْ/ وفي قدميه تنميلٌ وحمَّى/ وفي الساقينِ آلامٌ ورجفَهْ/ سياحتُهَا التسوُّقُ والهدايا/ وتنشيفُ الجيوبِ بغيرِ رأفَهْ.ولعل الرجل منسجم كل الانسجام مع الدور الذي يؤديه، وربما يجد متعة في التسوق لا أستطيع إدراكها و«للناس في ما يعشقون مذاهب»، لكن شيطان شعري «حِشَري» بطبعه، وغالبًا ما يدس أنفه في ما لا يعنيه! وينطبق عليه المثل الشعبي القائل: «واحد حامل ذقنه والثاني تعبان»! وإذا كانت «الحِشَرية» عادة سلبية مستهجنة، وإذا اعتبرت الأبيات السابقة منتجًا ثانويًا لها، أمكن القول إنه لا يوجد ما هو سلبي بشكل مطلق.الاستهلاك، كما يراه نعوم تشومسكي، مفيد للمؤسسة السياسية، باعتباره وسيلة فعّالة للسيطرة والإلهاء، حيث يتم صنع «احتياجات» جديدة، وتوجيه الناس، عبر وسائل الإعلام المختلفة إلى اهتمامات ثانوية أو سطحية. ومن المنتفعين من ميل الناس للاستهلاك، بالإضافة إلى المؤسسة السياسية، القطاع التجاري لأنه يجني من وراء ذلك أرباحًا كبيرة. لاحظوا كيف تطورت الحياة في عصر التكنولوجيا الحديثة فنتج عن ذلك التطور «متطلبات» جديدة، وأصبحت المنتجات التي لم تكن موجودة بالأمس، والتي عاش الناس بدونها من الحاجات الأساسية الملحّة التي لا يستغني عنها أحد. ومع تزايد هذه الاحتياجات «المصنَّعة» يصعب التوفيق بين تقليل الاستهلاك وزيادة نسبة الرضا أو السعادة في الوقت نفسه.