لماذا نجلد أنفسنا ؟
لا أستطيع أن أخفي ألمي وأنا أرى بني جلدتي يجلدونها بنكتة سخيفة، أو بصورة باهتة، أو بتعليق سمج، أو بتغريدة غير مسؤولة.اعتاد بعضهم النقد الهدام حتى أصبح لا يجيد غيره، فإذا طلبت منه أن يُلجم بنانه عن الخوض في خاصرة الوطن الذي ترعرع فوق أرضه، ونبت بين فجاجه، تجده يتخلص من قوة اللكمة بالتفاتة بلهاء إلى قضية أخرى يجد نفسه فيها، حتى يتحول إلى ظل مظلم في أية بقعة مضيئة يمر بها، أو تمر به.أعرف أن هناك من سيؤول هذا الحديث حسب الصياغة التي تشكلت بها نفسه، لكني أرجو أن يجيب عن هذه الأسئلة: كم نسبة حديثه الإيجابي عن المنجزات التي يراها حوله، قياسا بحديثه عن النواقص والخلل والخطأ؟إننا ـ بطبيعتنا البشرية ـ نخشى النقد الذي يكشف عيوبنا، لكننا نشغل كثيرا من أوقاتنا بكشف عيوب الآخرينكم مرة شكر مسؤولا؟ وكم مرة كتب عن تقصيره؟إذا تحدث في ظاهرة سلبية، هل يغلب على حديثه عرضها أم علاجها؟هل لديه فكرة أو مشروع يعالج به شيئا مما ينتقده؟هل يعنيه فيما ينشر في أية وسيلة من وسائل الإعلام أو التواصل إرادة النفع والتركيز على الفعل النافع، أو الإثارة؟ما الذي يعجبه أكثر فيما يرد إليه من ردود أفعال لما ينشر: من يستجيب لنقده، ويصب الخل على الجرح، ويكيل له المدائح، أم ذاك الذي يقول له: لقد حولت المشاعر إلى مشروع، وغيرت من حالي أو حال مؤسستي إلى ما هو أفضل؟إننا ـ بطبيعتنا البشرية ـ نخشى النقد الذي يكشف عيوبنا، لكننا نشغل كثيرا من أوقاتنا بكشف عيوب الآخرين، اعتدنا أن نتهم فلانا وعلانا؛ لنزكي أنفسنا. ومن أعجب العجب أن تجد مسؤولا قديما في مؤسسة ما، يكيل التهم لمسؤولها الجديد، وربما في أمر كان هو سببا في وجوده بسبب تقصيره، أو إهماله، أو فوضويته، أو ضعفه في التخطيط، أو انكبابه على مصالحه.وقد تجد العكس أيضا، فقد يظل أحدهم ـ دهرا ـ يلوك عيوب المسؤولين الذين عاصرهم، حتى إذا تولى منصبهم أخفق في أن يكون حتى مثلهم.الإيجابية تعني أن نعزز الجيد قبل أن نبين الردئ، كما تعني كذلك ألا يكون همنا أن نرفع الغطاء عن الخلل ليُرى، لا ليفتضح، ولا ليشمت العدو، ولا ليشفي الغليل، لكن لتحسين وضعه، وإزالة أثره السيء، والإسهام في إعادة البناء من جديد.لا أجد أمرا مريرا مثل أن يهب المرء حياته للتخريب والتحبيط والتثبيط والهدم؛ لأنه يحول الإنسان إلى معول قزم، وحياته إلى نفق مظلم، وعلاقاته إلى عرى مفصَّمة.وحين يضع هذا الإنسان نفسه في هذه الزاوية فلن يجد إلا أمثاله يحومون حوله، عندها سيشكو قلة الناصر وضعف المعين، ويحس بغربة قاتلة، قد تتحول إلى عدوانية تنال شخصه، وأهله، وأقرب الناس إليه.ومن حق هذا على من حوله أن يناصحوه، ويقوموه، وألا يسمحوا له بأن يهوي بمصالح الناس في الحضيض بسبب رعونته، أو ثقته المتضخمة في قدراته.والإيجابية توجب الاقتراب لإحداث الإصلاح، وتحمل بعض المشاق، واللوم، وربما الظن السيء، لكن .. ربما في نهاية المطاف يستيقظ (الإنسان) الغافي في إهاب ذلك المتمرد على إنسانيته، وهو هدف من تجردت نيته عن كل شخصنة.من حق النفس على صاحبها أن يزكيها، ويعلي قدرها، ويصلح علاقتها بربها وبالآخرين، ولن يكون ذلك إلا إذا تنازل هذا الإنسان عن تصوراته السلبية السابقة، وانطلق بها في فضاء الحب والخير والجمال.