سالم اليامي

الدبلوماسية السعودية المعاصرة في مواجهة الصور النمطية

الدبلوماسية من المعارف البشرية التي تُشكل مسألة تراكم التقاليد فيها تراثا ومرجعية ذات بعد يُثري المستقبل ويصحح كثيرا من توجهاته. والدبلوماسية السعودية، بدأت تؤسس لتراكم معرفي ملحوظ، وأصبح من التقاليد الحميدة في مسيرة الدبلوماسية السعودية المعاصرة عقد اجتماع دوري لسفراء خادم الحرمين الشريفين ورؤساء بعثات المملكة في الخارج كل ثلاثة أعوام يعقد في العاصمة الرياض. الاجتماع الدوري الثالث الذي انتهى منذ أيام وضم 117 سفيرا ورئيس بعثة سعوديا من القارات الخمس التقوا على مدى ثمانية أيام تناولت اجتماعاتهم المحاور السياسية، والاقتصادية، والإعلامية، والمعلوماتية، والقنصلية. وأكدت لي التصريحات الرسمية -التي صاحبت هذا الاجتماع، علاوة على ما توافر لي من معرفة- انطباعات عدد من المشاركين من داخل أروقة اللقاء أنه من أنجح اللقاءات التي أنجزتها وزارة الخارجية، حيث كان التركيز في هذه الاجتماعات على عنصر التفاعل البشري الديناميكي من قبل القائمين على العملية الدبلوماسية في مسارات ثلاثة تشكل الأعمدة العريضة للدبلوماسية المعاصرة، وهي المسارات السياسية والاقتصادية والإعلامية بما يحقق أهدافا رئيسة تتمثل بوضوح في حماية المصالح العليا للدولة، والدفاع عن مواقفها الرسمية، وتمثيلها في المناشط الدولية بما يعكس حجمها الحضاري والتاريخي وثقلها الاقتصادي والروحي. هذه -في تقديري- العموميات التي يمكن أن تذكر في مقال رأي يواكب المناسبة. إلا أنه يبقى أمرا في غاية الأهمية تفضل بطرحه سمو وزير الخارجية في اليوم الختامي للقاء، وهو ما يمكن تسميته رؤية سعود الفيصل أو معادلة سموه  للدبلوماسية السعودية المستقبلية، التي تتمثل في شقها الأول من إدراك حقيقة التطور الذي وصلت إليه وسائل الإعلام. وفي ذات الوقت تلمس النمو السريع لوسائل الاتصال وتعددها وتميز حقيقة ثالثة تترتب على الحقيقتين السابقتين، وهي أن هذه التطورات المتصاعدة في الأدوات والوسائل أوصلتنا إلى نتيجة مفادها «التأثير» المباشر في صناعة الرأي العام العالمي. هنا يأتي الشق الثاني في معادلة سموه، وهو الشق القائم على تفهم التحديات التي تواجه ممثلي الدبلوماسية الوطنية عندما يباشرون مهام نقل الصورة الصحيحة والحقيقية عن المملكة. وفي ذات الوقت يصححون المفاهيم المغلوطة «الصور النمطية» عن المملكة، تلك المفاهيم -التي ظلت على مدى عقود- تمثل الستار الذي يحجب حقائق كثيرة حول المملكة عن أنظار العالم. سمو الوزير في طرحه الضافي لهذه المعادلة كان واقعياً، حيث أشار بشجاعة إلى صعوبة المهمة، وفي نفس الوقت أبدى ثقته وثقة قيادة هذه البلاد في إخلاص ممثلي الدبلوماسية الوطنية وفي الجهود المؤمل منهم بذلها في هذا الميدان. ما أود إضافته هنا حقيقة هامة أزعم أن كل الدبلوماسيين السعوديين على وعي تام بها، وهي: إن الدبلوماسي السعودي تعلم منذ اللحظات الأولى أن رسالته تكمن في تمثيله للإنسان المسلم بصدقه وصلاحه والتزامه الأخلاقي، وهذا يجعله لبنة أولية في تمثيل منهج البلاد العام القائم على خدمة الدين ونشر رسالته العظيمة. وهو بهذه الخلفية الشفافة قادر مع استخدام أدوات الاتصال المتاحة على تعديل كثير من المفاهيم المغلوطة عن تاريخ وتراث وثقافة المملكة العربية السعودية. ويكمن أبرز الصعوبات -في تقديري- في تعديل الصور النمطية السلبية أنها تحتاج إلى عملية تفكيك مجموعة من الدوائر، لفحصها جيداً والتعرف على حقيقة محتواها. لأن طبيعة الصور النمطية -كما يؤكد بعض البحوث- سهلة ومتوافرة من مصادر غير معروفة أحيانا ولا تشمل الحقيقة غالباً، وغالبا تأتي الصور النمطية السلبية من ثقافات مغايرة أو من جهات معادية من نفس الثقافة.  وقد تستخدم فيها الكتابات التاريخية والأفلام والكتب الوثائقية والروايات، ما يجعلها مرجعا سهلا خاصة عندما تحاول استخدامها وسائل إعلام معادية، لا تتوخى الحقيقة وتميل للتشويه، أو ليست احترافية، بمعنى أنها لا تلتزم المصداقية. وقد تكون تلك الوسائل الإعلامية من الوسائل التي تمتهن الإعلام للتجارة والتربح، فيمكن أن تبيع نفسها لمن يدفع، ويمكن ان تروج الشائع الخاطئ، إضافة مهمة تتعلق بمهمة تعديل الصور النمطية. يجب أن نعرف أن لنا -كأشخاص ودول- صورة ليست ناصعة عند من نعتبره أخا، وأخرى مشابهة عند من نعتبره صديقا، وثالثة أكثر بهوتا عند العدو. هذا الأمر يصعب المهمة، لكنه المسار الأكثر وضوحا للتصحيح في رأيي. المثير في طرح سمو الوزير حول موضوع الصور النمطية أن هناك جهات من المؤكد إنها لا تتمنى الخير للمملكة وقيادتها وشعبها، تضخ ملايين الدولارات من أجل تأكيد صور نمطية سلبية عن المملكة، عبر انتاج ضخم لأفلام يُزعم أنها تاريخية وثائقية، ولأعمال درامية, وبرامج حوارية يتواصل بثها ليلا ونهارا. لا أريد بذكر هذه الفقرات إحباط عمل أحد، لكني أذكر ما أعرفه من عموميات في هذا الميدان وأتمم بمقولة سمو الوزير -حفظه الله- : إن القادم يحتاج إلى عمل دؤوب، وهو ليس مستحيلا، لكنه صعب. ومع ذلك أتقدم بالتهنئة لمن شملتهم ثقة سمو الوزير للتصدي لهذه المهمة وأقصد هنا فريق العمل المؤلف من كبار المسئولين بالوزارة بقيادة سمو مساعد الوزير الأمير عبدالعزيز بن عبدالله وفقهم الله جميعاً. وأهمس لهم بحب وأوصيهم بالابتعاد عن جملة نمطية رائجة في الفترة الأخيرة وهي عبارة «التنظير». فكل عمل يوضح لنا -بطريقة قد لا نألفها- نقول: تنظيرا، هذه الكلمة في جوهرها تقتل فينا اللجوء للمعرفة وأهلها عند مناقشة أمر من أمورنا. علاوة على أنها أصبحت شائعة، لان الناس في العالم الثالث عموما ينظرون ولا يعملون. أهل الخبرة والعلم من الجامعات والمعاهد المتخصصة في بلادنا مدعوون، وما أروع ما سينجز إذا ربطنا المعرفة النظرية البحتة بالعمل الصادق الخالص لوجه الله ولأجل هذا الوطن، والله من وراء القصد.