غداً عامٌ جديد
مع نهاية كل عام أشعر بضيق فبعد النظر في النتائج، أجد أنه كان بوسعي أن أصنع أفضل مما صنعت، وأن أنجز أحسن مما أنجزت. لابد أن نقف مع أنفسنا وقفات مصارحة ومطارحة، ليس بالضرورة نهاية العام أو الشهر أو السنة، لكن لابد من وقفة يحاسب الشخص نفسه على كل الأصعدة، وإلا كيف يُحسن أي منا أداءه؟! ومع مرور السنين وجدت أن هناك من يسعى لفعل أي شيء تفادياً لمجابهة «جردة» نهاية العام، فيأخذ إجازة أو ينشغل أو يتشاغل. ولا أتحدث هنا عن أداء الشخص في العمل أو حتى في الأسرة، أي مادياً أو عاطفياً أو أسرياً أو اجتماعياً بل شخصياً.الانفراد مع الذات مفيد على أكثر من صعيد؛ ففيه: استذكار لما مَرّ ومضى من مواقف حتى لا تكنس أخطاؤك تحت البساط، لتنساها وتصرّ على استذكار أخطاء العالم بحقكولابد من الاقرار أن انفراد الشخص منا مع ذاته ليس أمراً سهلاً؛ فكثير منا لم يجرب حالة الانفراد مع الذات والتقييم الذاتي، فيتفاداها ليتجنب حرج المواجهة وما قد تتكشف عنه. أذكر أن صاحباً لي يداوم على المشي، فتوقف بضعة أيام بسبب أن رفيقه الذي يمشي معه سافر، فعلل ذلك قائلاً: «لا أستطيع المشي بمفردي؟ ليس خوفاً من أحد، بل رهبةً من الانفراد مع نفسي وهواجسي!» ولعل ليس في الأمر ما يستوجب الهلع والخوف إذا ما تجاوز الواحد منا المواجهة الأولى، فالانفراد مع الذات مفيد على أكثر من صعيد؛ ففيه: استذكار لما مَرّ ومضى من مواقف حتى لا تكنس أخطاءك تحت البساط لتنساها وتصرّ على استذكار أخطاء العالم بحقك، وترتيب للأفكار والأولويات، وتقييم لما فات، وتخطيط لما بعد، والتأمل للتعامل مع التحديات والصعوبات والمشاكل، بل وحتى رسم واتخاذ مبادرات في العمل أو الأسرة. وليس من المبالغة القول إن أي تفكير عميق يتطلب انفراداً مع الذات، ولذا تجد – إجمالاً - التلميذ الجاد ينزوي منفرداً ليدرس، وللكبار أماكن ينزوون بها أو يهربون إليها للاختلاء مع أنفسهم في مكاتب ومخادع، أو حتى المشي المنفرد بمحاذاة الشاطئ أو في الفيافي والقفار قبالة «شبة ضو». الآن، مفيد أن تستقطع وقتاً وتتأمل في حالك وأحوالك، وكيف ترفع مستوى رضاك عن ذاتك، ولا بأس أن تنتقد نفسك لا أن تربت عليها مهنئاً، فالعاقل خصيم نفسه كما يقال، هو أول من يحاسبها. وعلى النقيض من ذلك، كم من موظف سيتعارك مع رئيسه ومع مرؤسيه بسبب نتائج تقييم الأداء في نهاية العام اللوم عليهم وعدم قبوله بتحمل أي جزء من مسئولية التعثر أو الفشل، فيأتيك موظف متدني الانتاجية وغير منضبط في دوامه، ولا مكترث بالعلاقات مع الزبائن ولا الزملاء ثم يتوقع أن يحصل على أعلى تقييم (ممتاز أو حتى متميز)! تلك «مراوغة» مع الذات وخداع لها، أي السعي لتغيير الحقيقة بأي وسيلة خوفاً من مواجهة الذات والمجتمع بعد ذلك. بعيداً عن كل ذلك، خذ ورقة وقلما أو جهازا لوحيا وانفرد مع نفسك، إبدأ بأن تطرح على نفسك أي مطلب يهمك ويرتبط إنجازه بك أنت، حاول أن تضبط أعصابك ولا تتشاغل ولا تنهي حالة الانفراد قبل الوصول لإجابة شافية. وقتاً ممتعاً.