تغيرنا..وتغيرت القرية
|| لنا العديد من البلاد في هذا الوادي الطويل. البلاد لفظ يطلق على مجموعة قطع الأراضي الزراعية المبعثرة، على سفوح الجبال. مدرجات أو مساطب. لكل مدرج اسم معروف عند الجميع، مثل أي فرد. في القرية، كل شيء له اسم. الحيوانات والجبال، وجميع الأماكن، كذلك المواسم، والنجوم، حتى الصخور والطيور والنباتات. وجدت (هريسة) أفضل بلادنا قاطبة. تقع في وادي (القعرة). له شهرة حتى على مستوى المنطقة. ورد اسمه في كتاب: حمد الجاسر (رحمه الله): في سراة بلاد غامد وزهران. لـ (هريسة) بئر وبستانان، أمامها وخلفها. أما صحن الأرض فتتم زراعته بالحبوب. لا يمكن زرع أي شجرة فيه. القمح محور الحياة.لم تستطع القرية الحفاظ على أبنائها. لم يستطع أبناء القرية الحفاظ على قريتهم. تصدعت القرية. تصدع أهل القرية. تغير الجميع بما فيهم القرية، لم تعد هي القرية. ظل الجميع في غربتهم يعيشون بعقل القرية القديم. يمنون أنفسهم بالعودة، وهم عنها في قطار سريع يأخذهم عنها أبعد وأبعد.|| جميع البلاد مخصصة لزراعة القمح. الملاحق لا يمكن زراعتها بالقمح. تُخصص للأشجار المثمرة. مغروس في ملاحق (هريسة) العنب الأسود والأخضر، وأشجار الخوخ والتفاح البلدي، واللوز، والسفرجل، والحماط، والتين الشوكي. إنتاج (هريسة) من أطيب ما تذوقته في حياتي حتى اليوم. نملك (المراض)، و(بلعيش)، و(العتلة)، و(الشطيبة)، و(سد سليم). كلها مدرجات زراعية تختلف في المساحات، لكنها جميعا مخصصة لزراعة القمح. منها ما يتم ريه، ومنها ما يعتمد على مياه الأمطار.|| هكذا يبدو القرار صعبا.. عندما يفكر المرء بالتخلي عنها. هجر قاس. هل يهجر الإنسان ما يحب؟! أرض تنتمي لها. سبب في وجودك وبقائك. بلاد تمثل شرفك وكرامتك. إنها كالعرض يجب عدم التفريط فيه. رغم صعوبة القرار.. إلا أن الوالد وصل إلى قناعة. من الصعب عليه الاستمرار في حياة الغربة، بعيدا عن أولاده وزوجته. بدأ يقتنع أن المملكة كلها أرضه. في أسفارهم كانوا يعودون إلى عشهم. لكن الأسفار أغرتهم بأعشاشها كبديل. توسعت الأرض والمدارك. بداية التنازل عن الموروث الذي كان قيدا غليظا.|| التنازل من أجل البناء. البحث عن القوة الضائعة عبر عشرات السنين. سبق وأن خرج أجدادهم للفتوحات الإسلامية. لم يعودوا. لكن بطولاتهم عادت إليهم كأحفاد، في قوالب حضارة استمرت حتى يومنا هذا. انغلق الأحفاد مئات السنين في هذه المناطق، محافظين على لغتهم ونقاء دمهم العربي الأصيل. جاء وقت التغيير. هبت رياح جديدة. خرج الناس من قراهم نحو البطولات. من لهذه البلاد بعد الهجر والبعد؟! رجع أبي يستعين بأخيه. استأمنه، استخلفه على ممتلكاته في غيابه. جعله عينا ناظرة وأمنه على البلاد والبيت. || غادرنا في سيارة لوري مع بداية السبعينيات من القرن الماضي إلى المنطقة الشرقية، تاركين وراء ظهورنا تاريخا عظيما من المهارات، من التراث والذكريات وعرى الارتباط بتلك الأرض. في لحظة الوداع سقينا جزءا من ثراها بالدموع. الوداع كان حلقة من حلقات العوائل، التي تنفصل عن جسم القرية بالسفر سنة بعد أخرى. || لم تستطع القرية الحفاظ على أبنائها. لم يستطع أبناء القرية الحفاظ على قريتهم. تصدعت القرية. تصدع أهل القرية. تغير الجميع بما فيهم القرية، لم تعد هي القرية. ظل الجميع في غربتهم يعيشون بعقل القرية القديم. يمنون أنفسهم بالعودة، وهم عنها في قطار سريع يأخذهم عنها أبعد وأبعد.|| مات البعض بحسرة أمانيه بالعودة. بقي البعض يمني نفسه بالعودة. بقي البعض في رحلة كل صيف، ليشم عبق التاريخ، ليخلق بعض المشاكل التي تشعره بالانتماء إليها. يعود إلى القرية في كل صيف ليجد انه يزداد قناعة، بأنها لا تصلح للعيش والحياة. البعض ما زال يحس بالخجل عندما يتذكر رفات الأجداد في هذه القرية. البعض يعود مجبرا لا بطلا.