مطلق العنزي

فكر «منزوع العنف»..!

في مناسبات كثيرة يتحدث منظرون وكتاب ومفكرون محليون عن «التنمية الفكرية»، وأحياناً يطلبون من الدولة تصميم خطة للتنمية.وفي الواقع فإن الفكر ونوعه واتجاهاته في الأصل خيار شخصي، تؤثر فيه عوامل عديدة، أهمها روح المرء ونفسيته وهواه ومطالعاته، ثم الظروف المحيطة أو حتى الصدف.والصدف هذه، أحياناً تحدث فعل السحر، في تغيير اتجاهات رؤى الناس وتشكيل قدر الله لحيواتهم.أحياناً، صدفة، يقرأ مراهق مقالا أو يشاهد فيلماً تلفزيونياً أو يستمع إلى خطيب أو مفكر أو مدرس، ثم ينبهر بالفكرة ويولع بها وتتلبسه، ويكثف القراءة حولها بعاطفية صماء عمياء، فيبحر في محيط مديد الأمواج.في مجتمع واحد وفي مدينة واحدة وفي حي واحد وفي مدرسة واحدة، وربما في منزل واحد، فتتشكل لدى المرء فكرة «ليبرالية» وأحياناً تتلبسه وتملأ روحه وأشجانه، وهذا جيد في حدود، إلى أن يتطرف ويتزمت ويحارب الدنيا من أجل سيادة رؤيته وانتصارها، ويقدم نفسه فداء ليس للليبرالية المثمرة المسؤولة، وإنما لأفكار متطرفين ليبراليين بعينهم.وأحياناً تتطور الفكرة حزبياً إلى إجازة العنف والعدوان على الآخرين وعلى إيماناتهم، وربما تصل به إلى الإلحاد الخالص، حيث يخرج من الليبرالية إلى ذروة أمراض العبثية والفوضى ويصبح أسيراً لفكر اقصائي مدمر.وتتشكل لدى آخر، في نفس المدينة والحي والمدرسة وربما المنزل، فكرة دينية، فيتنسك ويتعبد، وهذا حسن في حدود دين التقوى والمحبة والتسامح والرحمة والوسطية. لكن أحياناً يتزمت ويوغل في التحزب والغلو ويعطي ولاءه لأعنف المتطرفين، ولثقافة الإقصاء، ويقدم روحه فداء ليس للدين، وإنما لفكر العنف ومنظريه.التنمية الفكرية حال طبيعية لا يمكن توجيهها بخطط وقرارات رسمية، وإنما يمكن تهيئة البيئة المناسبة لـ«خيارات» تنمية فكرية إيجابية «منزوعة العنف»، وتشنج الفكر الأحادي، وأن يكون متاحاً للمرء أن يسمع وجهات نظر متنوعة ويقيمها، مثل الحوارات الثقافية الهادئة، والمناقشات الرشيدة، وليست المناظرات «الحربية» التي تتحول من الدفاع عن مبادئ إلى حلبة للصراع الحزبي والدفاع عن رؤى أشخاص يصادرون كل فكر لصالح رؤى رعاتهم، إلى درجة أن المرء يقرأ تعليقات هجومية عمياء ضد آراء بسبب الصورة النمطية التي يشكلها «المنظر الأب» عن الآخر.  وترمثل واحات تنتظر ضياء وعد شموس..تجمع الصابرة شظايا قلب ودمع وآهات سهد ليال..وتنسج من الثرى ورائحة المطر، احلاماً ومقاومات يأس..وتضيء أغصان الشيح أملاً يعانق غيوماً في الأعالي.