محمد السماعيل

جهاد حسب الطلب

الإسلام دين وسط، لا إفراط أو تفريط فيه، وليست هناك مزايدات يمكن أن يقوم بها البعض من أجل تبنيه أو الدفاع عنه بأفضلية في النيات أو المجهود، والله قد يقبل العمل الصالح ممن تبدو مساوئه ظاهرة للعيان، ولكن نيته خالصة لوجه الله وهو الحكم العادل، كما أن هذا الدين ليس انتقائيا بحيث نكيّف شرعه بحسب الأهواء والتقديرات البشرية، بحيث يكون العمل الصالح مقبولا وبأجر أكبر في مكان ما دون سواه، وذلك لأنه مجموعة قيم لا يمكن أن تتجزأ، وكل المطلوب منا أن نعمل فقط، أما المثوبة فهي خالصة لله وليس تقديراتنا البشرية القاصرة.هذا الدين ليس بحاجة الى مثل هذا الالتفاف على شرعه وضوابطه، ومن يريد أو يطمح لإصدار الفتاوى فلا بد أن يتأهل لذلك عبر شهادات وإجازات وتعمّق في العلوم الشرعية، فهي مسؤولية وأمانة في الأعناقوفي ظل تعدد الأنشطة الإسلامية على صعيد العالم، وحروب هنا وهناك باسم الدين ورفع شعاراته ربما اختلط الأمر على العامة، خاصة وأن هناك متفيقهين ورويبضات يتصدون للفتوى وإبداء الرأي الشرعي في كثير من المسائل، مما أربك أولئك العامة وجعلهم في حيرة مما هو صحيح لعقيدتهم وجهدهم، ومثال ذلك ما ظل يصدر من كثير من العلماء وبعض الدعاة في البلاد الإسلامية حول تشريع بعض الأمور التي تمس الواقع وتعبّد الناس، وشاعت في هذا الإطار دعوات كثيفة للجهاد في مواقع القتال المتعددة في بلادنا الإسلامية وخارجها، للأسف.ولضبط المسألة تصدّى مفتي عام المملكة الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ لذلك، ووجه مؤخرا انتقادا حادا إلى بعض الدعاة الذين يحرضون الشباب على الجهاد فيما لا يدعون أبناءهم له.وقال سماحة المفتي في تعقيب على محاضرة بعنوان «الانحراف عند الشباب: أسبابه وطرق علاجه» إن هؤلاء يستغلون ضعف هؤلاء الشباب وقلة بصيرتهم فيزجون بهم في الهاوية، مشيراً إلى أن على الدعاة أن ينصحوا الشباب كما ينصحون أبناءهم، وهذا هو القول الفصل الذي يأتي من قمة المرجعية الدينية التي تحسم الجدل وتضع النقاط على الحروف، فهذا الدين ليس أمرا قابلا للمزايدة وإبداء الرأي جزافا وإنما هناك تأسيس قوي للدعاة وتأهيلهم للفتوى، وذلك لا يتوفر لكثيرين من الأدعياء الذين أربكوا القناعات واستغلوا جهل العامة والمتحمسين لنصرة الدين فرموا بهم في التهلكة.سماحة المفتي أكد أن كل من يدعون الشباب عبر المواقع الالكترونية للجهاد دون إذن ولي الأمر هم على خطأ، وأنه إذا ذهب أحد إلى هناك ولا يعلم الغاية، وليس له علم بمن يقاتل معه فهذه فتن متناحرة ينبغي فيها عدم الخروج، وقال بمنتهى الوضوح: «لا أنصح بالخروج وينبغي الدعاء لهم، فخروجك الذي يعرضك للقتل وأنت جاهل بالأرض وجاهل بمن تذهب إليه وليس عندك خبرة ولا علم سيكون وبالا عليهم، وهم يريدون منكم الدعاء، أما الخروج فلا أنصح به».وذلك في تقديري القول الفصل الذي نأمل ألا نسمع بعده أو نقرأ دعوات جهادية من أدعياء التدين، والممسكين على الجمر الذين يغررون بشبابنا وينالون من خياراتهم، وهذا الدين ليس بحاجة الى مثل هذا الالتفاف على شرعه وضوابطه، ومن يريد أو يطمح لإصدار الفتاوى فلا بد أن يتأهل لذلك عبر شهادات وإجازات وتعمّق في العلوم الشرعية، فهي مسؤولية وأمانة في الأعناق، ومن لا يفهمها على هذا الوجه فالدين ونحن منه براء.