د. مبارك الخالدي

عن «سْحَيَّةْ الليل» والعنوسة

في النهارات القديمة، فيما أصبح يسمى زمن الطيبين،  كانت «حمارة القايلة» المغلفة بالغموض تجوب الجادّات والأزقَة باستمرار، بلا كلل وبلا ملل؛ في حالة تأهب واستعداد لا تنتهي للانقضاض على كل من تُسَوِلُ له نفسه، من الصبية والصبيات، التسلل من البيوت في هدأة الظهيرة، أو على من يصدر عنه شقاوة و «قواية عين» لا يمكن احتمالها.كل فتاة تفكر وتحلم بالزواج، كما يفكر أي فتى وهذا شيء إنساني وطبيعي ولكن الخطأ  يكمن في تصوير الزواج على أنه الأساس الوحيد للحياة السعيدة والحقيقية، وفي التبئيس والتيئيس للفتاة التي يعتقد من حولها أنه فاتها قطار الزواج وعندما يبدأ نور النهار في الخفوت تدريجيا،ً ويَشْرعُ الليل في إرخاءِ سدوله على الناس والمخلوقات والأمكنة، تنهض «سْحَيَّةْ الليل»، وما أدراك ما سحية الليل، من نومها في منتهى الحيوية والنشاط لتستلم مهمة المراقبة والمعاقبة من حمارة القايلة. وتعود الأخيرة الى مخبئها القصي المجهول.       ويكبر الصغار. ويكتشفون أنه لا وجود لـ «حمارة القايلة» ذات الحوافر والأقدام، وأنها محض خرافة، وأن «سْحَيَّة الليل» التي يخوفهم الكبار بها ليست سوى الخفاش. ينطلق الصبيان في الحياة، لا يلوون على شيء، غيرَ هيّابين، وغيرَ قلقين من مواجهة بعابع أخرى، أما الصبيات فسرعان ما يكتشفن أن ثمة بعابع عديدة تتربص بهن في العطفة، تلو العطفة من الطريق الطويل الذي اسمه الحياة. وأول هذه البعابع، وربما أخطرها، وأشدها في إثارة الخوف والرعب في نفوسهن: بعبع العنوسة. ولا يزال يثيرهما في نفوس نظيراتهن المعاصرات بطريقة تدعو إلى التعجب والاستغراب.العنوسة هي البعبع العابر للأزمنة، الذي تستمر المجتمعات العربية في صنعه، رغم حدوث تغيرات إيجابية كبيرة في الأوضاع والظروف التي تعيش فيها النساء العربيات. وتبالغ هذه المجتمعات في تصوير خطورته الى درجة رفعه إلى مستوى المأساة أو الكارثة الوطنية أو القومية. وهو المادة الجاهزة للاستهلاك الصحفي، أو لمقدمي البرامج  التلفازية الاجتماعية الآخذه في الانتشار كالفطر، بما تتميز  به كثير منها من المعالجات السطحية للقضايا الأُسرية والمجتمعية. قد يبدو قابلا للفهم والتقبل، تهويل أمر العنوسة في الأزمنة الماضية، حين كان النسوة يعشن في حالة اعتماد كلي على الرجال من الناحية الاقتصادية، وكان الزواج يعد الضمان والحامي لهن من العوز والحاجة في حال ذهاب (وفاة) المعيلين الأسريين، أو في حال عجزههم عن توفير الكثير مما كن يحتجن إليه من ضروريات الحياة. وقد يمكن تقبل التضخيم الإعلامي لـ(مخاطر) العنوسة إلى درجة التعاطي معها، بصفتها إحدى القضايا الوطنية المؤرقة في البلدان العربية، التي لا تزال النساء فيها مكبلات بقيود الأعراف وإدعاءات الخصوصية، ما يجعلهن مرتهنات إلى إرادة الرجال وقراراتهم، في تحركاتهن وتدبير الكثير من أمورهن. لكن لا أفهم كيف يصر الإعلام في البلدان العربية الأخرى، التي نالت فيه النساء -تتويجا لنضالاتهن- استقلالهن والعديد من حقوقهن، على الاستمرار في التأكيد على أن النساء مهما تَعَلّمنّ وعَمِلْنّ وأصبحنّ المسئولات عن مصائرهن، فإن كل هذه المكتسبات لا تعني شيئاً إذا لم يَقْتَرنّ برجال ينتشلونهن ويحمونهن من العنوسة البعبع، حتى وإن انتهى بهن الهرب من العنوسة إلى زيجات كارثية لا يُخْفِي استمرارها أنها فاشلةٌ، ومحبطةٌ ومحطمةٌ لهن روحيا ونفسيا وجسديا.       إن هروب الفتيات من (بعبع) العنوسة، سبب رئيس لارتفاع معدل حالات الطلاق، بهدف الخلاص من زيجات كان الحلمُ أن تكون الملاذَ الآمن، ولكن يتضح بعد حين من المكابدة والمعاناة، أن الخلاص الحقيقي يتمثل في النفاد بجلودهن منها.كل فتاة تفكر وتحلم بالزواج، كما يفكر أي فتى. وهذا شيء إنساني وطبيعي. ولكن الخطأ  يكمن في تصوير الزواج على أنه الأساس الوحيد للحياة السعيدة والحقيقية، وفي التبئيس والتيئيس للفتاة التي يعتقد من حولها أنه فاتها قطار الزواج،  رغم أنه لا أحد رأى هذا القطار، ولا يعرف جدول مواعيد رحلاته إن كان له جدول. ليس بالزواج وحده يحيا الإنسان، والعنوسة لايجب أن تظل بعبعا.