محمد السماعيل

صديقي «الديكارتي» والتجسس الأمريكي

توترت الأجواء في أوربا وجنوب امريكا بعد فضيحة التجسس المتهمة بها بعض الأجهزة الأمنية الأمريكية، والتي طالت أكثر من 35 شخصية ومؤسسة عالمية، ومن ضمنهم كبيرة ألمانيا المستشارة «انغيلا ميركل» ودول مثل فرنسا والمكسيك والبرازيل وغيرهم، و «اللهم حوالينا، لا علينا».. بعد كل هذا أخذت «الهواجس» تتجول في عقل صديقي «الديكارتي».قلت لصاحبي «الديكارتي»: هون على نفسك يا صاح، فأنت لست وحيدا في هذا العالم، وإن التجسس من قبل الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة ليس جديدا أو مستغربا أو شاذا .. بل هذه هي طبيعة الدول الكبرى، شئنا أم أبينا، لكن الشيء الجديد والمستغرب والشاذ، هو أن تتجسس هذه الدول على اصدقائها وحلفائهاوعلى الرغم أنه لا يعرف الكثير عن «رينيه ديكارت»، ولا يعرف أن أساس فلسفته وروحها ومحركها هو «الشك»، ولا يعرف أن منهجه الشك للوصول إلى الحقيقة، والشيء الوحيد الذي يعرفه عن ديكارت هو انه القائل: «انا افكر اذن انا موجود».. ورغم كل ذلك إلا أن معظم تصرفات صاحبي «الديكارتي» هذه الايام تنم عن «ديكارتية» متوغلة في الشك، وعندما اتهمته بالديكارتية  «حك صلعته» اللامعة كلمعة التفاح الامريكي، ثم نهرني بشدة وقال: انا لا أميل مع منهج ديكارت .. بل مع منهج نبينا ابراهيم ـ عليه السلام ـ حين قال «ليطمئن قلبي»، واضاف: إن الشك الذي أمارسه هو شك إرادي، وليس شكاً مرضياً، ولكن ما اقلقني عليه، هو أنه اخذ يشك في كل شيء مصدره «أمريكي»، حتى أنه أخذ يخشى من استعمال «الشامبو» الأمريكي؛ لأنه يرى أنهم .. أي الأمريكان، ربما يضعون فيه مادة «تجسسية» تخترق فروة الرأس وتقرأ أفكاره، وامتنع عن شراء الصابون الأمريكي؛ لأنه يرى أنهم قد يضعون في الصابون مادة تكتشف الأشياء التي لامستها يداه، حتى أن زوجته أصبحت «ديكارتية» ايضا، ورفضت غسيل الصحون بالصابون الامريكي؛ لأنها أصيبت بالشك، وترى أن الأمريكان قد يضعون مادة «تجسسية» على ما يطبخ في منزلهم، كما قاطع صاحبي معجون الاسنان الامريكي؛ ظنا منه انهم ربما يضعون فيه مادة تجسسية، ترصد ما يدخل في فمه، وامتنع عن شراء شرائح البطاطا والمشروبات الغازية الامريكية، واستبدل الرز الامريكي بالرز الباكستاني والهندي، والشوكولاته الامريكية بالهولندية، كما قاطع المطاعم التي لديها المنتجات الامريكية؛ خوفا من ان يضعوا في غرف المطاعم اجهزة تنصت تسمع ما يتداوله مع اسرته، وافضل شيء عمله هو توقفه عن تدخين السجائر الامريكية .. بل توقف عن التدخين تماما بسبب هذه الفضيحة التجسسية، وقاطع العسل الامريكي وتوجه الى العسل اليمني والسعودي، واستبدل بطارية سيارته الامريكية، ثم باع سيارته الامريكية، وسحب حسابه من البنوك الامريكية.  قلت لصاحبي «الديكارتي»: هون على نفسك يا صاح، فأنت لست وحيدا في هذا العالم، وإن التجسس من قبل الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة ليس جديدا أو مستغربا أو شاذا .. بل هذه هي طبيعة الدول الكبرى شئنا أم أبينا، لكن الشيء الجديد والمستغرب والشاذ، هو أن تتجسس هذه الدول على اصدقائها وحلفائها، وتلك هي الطامة الكبرى التي تنزع الثقة بين الدول.