حسن السبع

هات من الآخر !

ما نسبة الكلام الفائض عن الحاجة في خطابنا اليومي؟ أي الكلام الذي لا نعنيه ولكننا نلهج به فنرفع نسبة التلوث الضوضائي في هذا العالم. وفي المقابل ما نسبة الكلام الذي نعنيه لكننا نحجم عن قوله؟ عند اللقاء، أو أثناء مكالمة هاتفية ذات هدف محدد، يسأل أحدنا الآخر، وبشكل متواصل، عن الحال والصحة والأهل والإخوان والربع والديرة، هكذا دفعة واحدة، وهو يعرف الإجابة سلفا، أو أنه لا ينتظر إجابة. ولو كان ينتظر إجابة محددة أو خارجة عن الإطار العام للغة التواصل اليومي لما سأل عن كل تلك الأمور دفعة واحدة، وبدون توقف. يعرف الطرف الآخر أن وراء كل تلك المقدمات ما وراءها، ولو واتته الجرأة لقال لصاحب تلك الديباجة: «هات من الآخر»، لكن اللباقة تحول بينه وبين تلك الصراحة. وتأتي الإجابة: «كله تمام.. وتسرّك الحال..» مع أن صاحبنا غارق في المشاكل العائلية والمالية والصحية حتى عينيه.هي كلمات للاستهلاك، أو نباتات طفيلية في حديقة التواصل اليومي. فهي من «لزوم ما لا يلزم». تلامس اللسان دون أن تمر بالقلب، مفردات بلا معنى، وأزهار بلا أريج. نرددها كما يردد شريط التسجيل الكلام دون أن يقصد أو يفقه ما يقول.هي كلمات للاستهلاك، أو نباتات طفيلية في حديقة التواصل اليومي. فهي من «لزوم ما لا يلزم». تلامس اللسان دون أن تمر بالقلب، مفردات بلا معنى، وأزهار بلا أريج. نرددها كما يردد شريط التسجيل الكلام دون أن يقصد أو يفقه ما يقول. عبارات للاستهلاك لا ينبغي أن تحمل على محمل الجد. ولو تأملنا ما نقوله جيدا لحذفنا جزءا كبيرا منه توخيا للصدق. نقول بعض العبارات ونحن نفكر بطريقة مناقضة لمعناها. نقول «السلام عليكم» ثم تنشب بعد السلام مباشرة معركة حامية الوطيس.   تقول الزوجة الشامية لزوجها «تقبرني.. ابن عمي».. فهل هي جادة في كلامها؟ أم أنها تخشى أن «يقبرها» ثم يتزوج من بعدها؟ ثم ألا يمكن التعبير عن الحب بعبارة أكثر رومانسية، وأقل عنفا من تلك؟  ويقول أحدهم لمن يسأل عن حاله: «أنا بخير.. ببركة دُعائك» وهو يعلم أنه لم يدع له،  وربما كان يدعو عليه. الشيء الإيجابي في الأمر أننا لا نصدق كل ما نسمعه من عبارات أُعدَّت للاستهلاك اليومي. يقول لك سائق التاكسي في القاهرة، وأنت تناوله أجرة المشوار: «ما تخلي يا بيه»! وهي عبارة تدل على اللباقة والطيبة، ويرى فيها الدكتور عبدالوهاب المسيري تعبيرا عن «التراحم». لكنك لو صدقتَ السائق ووضعتَ الأجرة في جيبك وانصرفتَ لجرى وراءك وأمسك بخناقك حتى يأخذ منك حقه.    نقول وبشكل آلي ما لا نعنيه،  لكننا نحجم عمدا عن قول ما نعنيه، وما ينبغي التعبير عنه بصوت عال. نكتم مشاعرنا الجميلة تجاه من نحب، فلا نعبر عن حبنا له بصوت مسموع، لأن تربيتنا لم تهيئنا للتعبير عن عواطفنا بوضوح. نحجم كذلك عن قول الحقيقة، إذا كان قول الحقيقة مكلفا. فكأنما وُهِبْنا الفصاحة لكي نخفي أفكارنا. الصمت حجاب يخفي حقيقتنا، لذلك يقول جبران: «ليست حقيقة الإنسان بما يظهره لك، بل بما لا يستطيع أن يظهره، فإذا أردت أن تعرفه فلا تصغ إلى ما يقوله، بل إلى ما لا يقوله».يرى بعض المعنيين بدراسة المجتمع العربي أن أحد أسباب المأزق التاريخي الذي تمر به مجتمعاتنا هو انعدام مبدأ الشفافية، حيث تبقى أهم القضايا معلقة في انتظار من يعلّق الجرس. نناقش المشكلة، أو نحاول تشخيص أسبابها، وعندما نقترب من الأسباب يُدرك شهرزادَ الصباح فتسكتُ عن الكلام «غير» المباح!