د. مبارك الخالدي

من «لَكُم اللحم» إلى نَفسيّة حَمُّودي

  مرّ زمن كان فيه الآباء يأخذون أبناءهم إلى المدرسة ، ويمنحونها امتياز المسئولية المطلقة تجاههم، معبرين عن ذلك التفويض بالعبارة المعروفة: «لكم اللحم ولنا العظام».لم يكن ذلك الفعل تنصلا من المسئولية، ولا اتكالية على المدرسة، بل تعبيرا عن الثقة الكاملة بها، وجهلا بأنهم والمدرسة ينبغي أن يتقاسما مسئولية الاهتمام بأبنائهم تعليمياً وتربوياً. واثبتت المدرسة أهليتها لتولي هذه المسئولية العظيمة؛ وحافظت على اللحم وعلمته ورعته،بفضل حَمّودي تتحول مجالس الآباء إلى مناسبات لاستجداء وتسول الدرجات الإضافية التي يُطْلَبُ أن يضيفها هذا المعلم أو ذاك الى تقرير حَمُّودي لكيلا يُصَابَ بعقدة نفسية من الدراسة بسبب انخفاض مستواه ومعدله عن مستويات ومعدلات زملائهوأثبتت عدم خطأ الآباء في ايكال المسئولية كاملة اليها، فليس من المعقول السماح لبعض الأخطاء والاخلالات المتفرقة بالأمانة بتعكير صفاء الصورة أو أن يكون القاعدة، ومبرراً لتشويه سمعة مدرسة زمن «لكم اللحم ولنا العظام».  وجاء الزمن الذي بدأت فيه المدرسة بالفقد التدريجي لامتياز الانفراد والاستئثار باللحم ، لتنتهي إلى زمن حَمُّودي «حبيب ماما وقلب بابا وأذكى طفل في العالم»، الذي أصبح لا همَّ يُشْغِلُ بالَ المدرسة سوى مراعاة نفسيته وتدليله ليتعملق  ويتقزم أمامه المعلم الذي عاش ردحاً من الزمن مخدوعاً بالمديح الزائف له:»كاد المعلم أن يكون رسولا.»  المعلم اليوم وفي أغلب الحالات تخضع سمعته ومكانته إلى التهديد المستمر من حَمُّودي  بحسب مزاجه وحالته النفسية. عليه ألاّ يُغْضِبَ حَمُّودي ولو بطلب أن يلتزم بالنظام، وأن يَكُفَّ عن المشاغبة والتحرك المستمر في الفصل، وألاّ يوجه له لوماً أو انتقاداً لتقصيره. حَمُّودي «حبيب ماما وقلب بابا وأذكى طفل في العالم» هو سيد الموقف في هذا الزمن الفاني. والمعلم من «جرف الى دحديرة» في انحداره المستمر الى الهاوية. وإذا كان حَمّودي طالباً في مدرسة خاصة فإن المدرسة كلها تتقزم أمامه. يمضي إلى المدرسة كل يوم وصورة المدرس في ذهنه لا تختلف كثيراً عن صورة السائق أو الخادم أو الخادمة، فوالداه يدفعان راتب المعلم أو يشاركان في دفعه. المعلم ليس إلا امتداداً للسائق. فإذا ما نهره المعلم عن فعل شىء، أو  حثه على أداء واجباته الدراسية أو على الانتباه إلى الشرح، عاد إلى البيت بفم ممطوط بِطولِ شبرٍ أمامه، ولسانه لا يكف عن قذف أقذع الصفات والنعوت على المعلم الذي لم يراع مشاعره. في هذه اللحظة تجتاح الاّمُ البيت بعاصفة غضبها، الذي يجد في الهاتف منفذاً يندلق عبره إلى المدرسة أو أن ينصب في أذن المعلم الذي تجرأ على جرح مشاعر حَمُّودي.  ولاينتهي الأمر عند هذه الغارة الهاتفية على المعلم، إذ من المحتمل أن يشن الأب غارةً بدنية على المدرسة ليوقف  المعلم عند حده.   وبفضل حَمّودي تتحول مجالس الآباء إلى مناسبات لاستجداء وتسول الدرجات الإضافية التي يُطْلَبُ أن يضيفها هذا المعلم أو ذاك الى تقرير حَمُّودي لكيلا يُصَابَ بعقدة نفسية من الدراسة بسبب انخفاض مستواه ومعدله عن مستويات ومعدلات زملائه؛ أو أن يعطى فرصة أخرى لأداء اختبار غاب عنه لا لعذر وجيه ومقنع ، إنما لأنه لم يستعد له بالمذاكرة لإلتهائه بـ(السوني) و(الآيباد) وغيرهما. ويَوُافِقُ على إعادةِ الاختبارِ المعلمُ المغلوبُ على أمره لأن محفظة والد حَمٌّودى أحد مصادر دخل المدرسة.  ويدخل الجامعة حَمّودي وهو لم يتغير كثيراً، لكن يجد أمامه واقعاً مختلفاً، فالغارات الهاتفية والبدنية التي يشنها أبواه تنتهي صلاحيتها وفاعليتها بانتهاء خروجه من الثانوية. ليس أمامه سوى أن يتخلى عن «حَمُّوديته» أو تتخلى الجامعة عنه.  وقد يستمر دون أن يتخلى عن عادة تشويه صور أساتذته، فهذا « مُعَقدْ»، وذاك «ماينجح عنده أحد» ، والآخر «غير متمكن من المادة». حَمّودي أوتي عند دخوله الجامعة من العلم والمعرفة مايكفي لتقويم أساتذته.    الجانب المضئ هو أن حَمُّودي ليس كل الطلاب، وإن كان آخذاً بالاستنساخ أكثر!