المهندس عثمان فلاته
في حياة الفرد.. ماذا يعني الزمن؟!.. هو العمر.. لا ندري متى ينتهي.. رغم علمنا.. بأنه سيتوقف نهائيا.. ليسجل.. إعلان نهاية الفرد.. لا خيارات.. لتحديد وقت النّهاية.. إلا بالانتحار.. الُمحرّم.. شرعا وعُرفا.. لكن.. هناك وسائل.. تُعجل بالنّهايات.. تُسمى المهالك.. بجانب الأمراض الفتّاكة.. النهاية الطبيعية تأتي.. في أي لحظة.. عاجزين عن تحديدها.. وقتا ومكانا.. ماذا يقول الآخرون.. مع نهاية شريط حياة أحدنا؟!عرفت المهندس عثمان فلاته في ميادين العمل والإنجاز.. عرفته في قوالب التحدي والبناء.. عرفته مخلصا مثابرا نزيها.. زاملته شابا يحمل الكثير من الطموحات والآمال والأماني لخدمة الوطن.. افترقنا.. بقيت أتخيله في طموحاته وآماله وأمانيه.. ظلت عالقة في ذهني.▪▪نحن شركاء في الحياة.. نتأثر بغياب معارفنا.. نبكي.. نحزن.. نتألم.. في نهاية المطاف يسود النسيان.. لكن تظل الذكريات محفوظة.. نستدعيها في أوقات غير متوقعة.. الذكريات تمثل سُمعة الفرد حيّا وميّتا.. هذا ما نتركه للدنيا.. نتساءل كيف حال سمعتنا؟!.. هناك سلّة خاصة نحملها.. تحوي الكثير عن كل فرد نعرفه.. تختلف في الحجم والمحتوى.. متباينة في دقتها وجودتها.. في مفعولها وتأثيرها.. تساهم في تشكيل مستقبل حياتنا.. هل تستطيع تحديد عدد الأفراد المؤثرين.. الذين تعرفهم في حياتك؟!▪▪حتى النهايات تختلف.. نتقابل ثم نفترق.. كل إلى حال سبيله.. نقابل البعض وننساهم.. لم يتركوا أثرا.. يغادرون مسرح الدنيا دون علمنا.. وهذه حال الدنيا وطريقها.. وتبقى الذكريات.. حجمها غير مرتبط بعدد سنين الصحبة.. أناس لا نذكر لهم شيئا في حياتنا.. ننساهم.. وآخرون لن ننساهم.. رغم أن صحبتهم لم تدم غير دقائق.. لكنها دقائق تغني عن سنين بتأثيراتها أيّا كانت.▪▪حياتنا شريط يقدم وقائع وأحداثا ننسجها.. هناك بطل واحد.. هو أنت كفرد.. تأخذ دور البطولة في شريط حياتك.. بطولة مطلقة لكل شيء.. تختلف البطولات وفق المعايير البشرية.. هناك مثلث.. قاعدته من عامة النّاس.. ثم تأتي مراتب البشر بعضها فوق بعض.. على رأس الهرم يقف الزعماء أيّا كانوا.. ولأني من عامة النّاس.. فكل من يشاركني بطولة حياتي من عامتهم أيضا.. أفتخر بذلك.▪▪الأهل أول من نقابلهم في حياتنا.. لكن هناك أفواجا بشرية نقابلهم عبر الحياة.. غالبيتهم معارف.. ثم زملاء.. ثم أصدقاء وهم قلة وفقا لمعايير الصداقة البشرية.. هناك أصحاب.. قالت العرب الصاحب ساحب.. وتبقى أنت البطل الذي يقرر لأنك تملك احساس الجسد حامل الروح.. الحياة تفاعل ونشاط.. في النّهاية تجد ذاتك مزيجا من كل شيء.. هل يصعب عليك التحكم في هذا المزيج؟! هل تستطيع تحقق توازنه دون طغيان بعض عناصر المزيج؟!.. الذات تتغير وفق قواعد لعبة حياة الفرد مع من حوله.. لكنها بناء وعطاء لمن أراد.▪▪قابلت أفرادا كثر.. شكلوا ذاتي ومنهج حياتي.. حديثي عن أفراد نقابلهم فترة زمنية ثم يذهبون.. منهم زملاء المهنة.. هناك الأساتذة في المدارس.. يبنون الخبرات والمعلومات.. يؤسسون للإتجاهات.. يزرعون بذور الطموحات والآمال.. يغادرون شريط حياتنا مع نهاية الدراسة.. لكنهم باقون مآثر مؤثرة وفاعلة.. يصبحون ذكريات لها معنى.. نعود إليها في سياحة غير منتظمة عندما تذكرنا بهم مواقف الحياة.▪▪من هؤلاء الذين قابلتهم في حياتي.. وتركوا بصمات مختلفة لها معان.. المهندس عثمان فلاته.. هل تعرفونه؟!.. كان عابر سبيل مثلنا.. ما الأمر الذي جعلني أتحرك نحو شريط ذكرياتي مع هذا الرجل؟!.. يوم الجمعة (25/10/ 2013).. تلقيت رسالة تحمل خبر وفاته.. فجأة استيقظت على فاجعة الخبر.. نعرف أن الموت حق.. لكن عندما نتذكر الماضي نجد من حجز مكانا في حياتنا.. فقده بالموت يحرك مشاعر وأحاسيس.. ويعطي وقفات للتأمل والمراجعة. ▪▪تعرفت على المهندس عثمان فلاته في حفل تخرجه في جامعة الملك فيصل في بداية الثمانينيات من القرن الماضي.. عرفته عن طريق أحد الزملاء في الجامعة.. عرفني أيضا على والده في ذلك الحفل.. رجلا كان يحمل من علامات الوقار الكثير.. كانت تلك أول وآخر مرة أرى فيها والد المهندس عثمان.. رحمهما الله.▪▪بعد فترة.. كان المهندس عثمان زميل عمل في الجامعة.. بمحطة التدريب والأبحاث الزراعية والبيطرية.. عملنا معا ثلاث سنوات متفرقات.. كان ذلك خلال الثمانينيات من القرن الماضي.. تعرفت على معالمه الإنسانية الخيّرة.. عرفته أمينا.. صادقا.. محبا للناس.. ثلاث سنوات كأنها ثلاثة عقود.. كانت مؤثرة وفاعلة... ثم باعدت بيننا مسارب سنين الحياة حتى وفاته.▪▪عرفت المهندس عثمان فلاته في ميادين العمل والإنجاز.. عرفته في قوالب التحدي والبناء.. عرفته مخلصا مثابرا نزيها.. زاملته شابا يحمل الكثير من الطموحات والآمال والأماني لخدمة الوطن.. افترقنا.. بقيت أتخيله في طموحاته وآماله وأمانيه.. ظلت عالقة في ذهني.. حرّكها خبر وفاته -رحمه الله-.. الوطن يخسر بموت أبنائه المخلصين.. وكان عثمان أحدهم.