بعض الدعاة والوقار المفقود
الفضائيات أصبحت حافلة بالدعاة، وإن كان وجودهم لا يعفي تلك الفضائيات من مسؤولية حسن الاختيار فيما يقدم في فضائياتهم من برامج ومسلسلات لا تنسجم مع تعاليم الإسلام ومنهج الشريعة، وكان الأولى بهؤلاء الدعاة نصح أصحاب تلك الفضائيات بالبعد عن كل ما يخدش الحياء ويسيء إلى الذوق العام، وهم في النهاية غير مجبرين على التعامل مع هذه الفضائيات، اللهم إلا إذا كان دافعهم الكسب المادي قبل الكسب المعنوي.. مع أن الكسب المادي لا غبار عليه من ناحية المبدأ فهم كغيرهم من الناس الباحثين عن مصادر الرزق الحلال، لكن في الحدود التي لا تهز صورهم في أذهان المشاهدين لبرامجهم، والمتابعين لأنشطتهم.السبيل الصحيح للوصول إلى قلوب وعقول المستمعين هو علم الداعية وسعة اطلاعه، ولطف حديثه، وحسن اختياره للمواقف والعبر مما ورد عن السلف الصالح، وليس (نكته) وقصصه المفتعلة، والمبالغة في تمرير بعض المواقف التي لا يصدقها العقل هذه مسألة، والمسألة الأخرى تتعلق ببعض الدعاة الذين يحاولون أن (يستخفوا دماءهم) بالنكت والحكايات الغريبة. لقد اتسم معظم الدعاة بالكثير من الوقار والرزانة، وتميزت شخصياتهم بالكثير من الجدية التي تتناسب مع مهماتهم الدعوية الجليلة، وهذه الصفات تكاد تكون عامة بين الدعاة دون أن يحول ذلك بينهم وبين لطف الحديث وذرابة اللسان والاستشهاد بالمواقف التي تبعث الابتسامة في الشفاه والبشاشة في الوجوه، بعيدا عن (التنكيت) أو السخرية من الآخرين، وخير وصف للداعية ما قاله الشاعر مزيد الحلي.داعي الدعاة ومهدي الناهجين إلى سبل الرشاد بلا شكٍ ولا كذبلكن بعض الدعاة يتحول إلى شخصية هزلية لا تليق بمقامه، عندما يقلد لهجات عربية أو أجنبية ليضحك من حوله من المتعطشين لمعرفة أمور دينهم ودنياهم، وهم الذين حضروا ليستفيدوا من العلم الشرعي لا ليستمعوا إلى (نكت) وحكايات مفتعلة مشحونة بالمبالغة والاستهانة بعقول الناس، وهم لو أرادوا الاستماع إلى (النكت) لبحثوا عنها عند المهرجين وما أكثرهم في هذا الزمان، والدعاة الذين يلجأون إلى هذا الأسلوب إنما يرغبون في جذب الجمهور إليهم، ولكن هذا الأسلوب يصبح منفرا إذا صدر وبمبالغة شديدة، من داعية يفترض أن يلتزم بخلق القرآن الكريم كما قال ابن الوردي:يا قارئَ القرآنِ إنْ لمْ تتبعْ ما جاء فيه فأينَ فضلُ القاريهلْ يستوي العلماءُ والجهّالُ في فضلٍ.. أم الظلماءُ كالأنوارِليس مطلوبا من الداعية أن يكون عابسا مكفر الوجه، خشنا وفظا في مواجهة رواده والمستمعين إليه، لكنه أيضا ليس مطلوبا منه أن يتحول إلى (منكت) وأكاد أقول مهرجا، فهذا أسلوب لا يليق بالدعاة، ولا يوصلهم إلى نتيجة إيجابية، لأن السبيل الصحيح للوصول إلى قلوب وعقول المستمعين هو علم الداعية وسعة اطلاعه، ولطف حديثه، وحسن اختياره للمواقف والعبر مما ورد عن السلف الصالح، وليس (نكته) وقصصه المفتعلة، والمبالغة في تمرير بعض المواقف التي لا يصدقها العقل، وعن شخصيات تكاد تكون أسطورية، وما قامت به من أفعال خرافية، متجاهلا وعي المستمع الذي يستطيع أن يميز بين الغث والسمين، ويفرق بين الحقيقة والخيال، وتغييب وعي المستمع كفيل بأن يصل به إلى طريق مسدود، وسيأتي اليوم الذي ينفض السامر من حوله، ويفقد مريديه وتلاميذه، نتيجة هذا الانحراف المزاجي، أو الرغبة في خفة الدم، أو المبالغة في الطرح، أو السعي لتلميع الشخصية.بالوقار واحترام الذات وغزارة العلم وسعة الاطلاع، يمكن أن يحقق الداعية أهدافه النبيلة في خدمة الدين والأمة.