قاب رجلين أو أدنى !
تحوير المثل العربي المشهور: «قاب قوسين أو أدنى» يعود إلى الحاجة إلى تقريب فكرة هذا الموضوع المعقد، الذي أتحدث عنه اليوم إلى القارئ العربي قدر الإمكان. فالموضوع يتعلق بالقضية الشائكة في سوريا، والنزاع الدولي المرتبط بها؛ إذ تحولت إلى مجال استقطاب اقليمي ودولي كبير، وأصبحت المفاوضات والمؤتمرات والمنازعات، بل وحتى المقايضات ومحاولات لعب الأوراق المتعددة بشأنها من أكثر التجارب الدولية تعدداً خلال ثلاث سنوات من عمر النزاع المرير، بتجاربه الدموية، والمحاولات السياسية والدبلوماسية المتعددة الأطراف والمختلفة المستويات.توقع الناس جميعاً - بما فيهم النظام السوري - أن الضربة العسكرية قادمة بُعيد خروج فريق المفتشين التابع للأمم المتحدة مباشرة. فلجأ النظام إلى تغيير مواقع بعض وحداته، وإطفاء الأنوار المحيطة ببعض المواقع العسكرية، ووضع بعض معداته في وسط الأحياء المدنيةوبعد المد والجزر، والآمال والاحباطات المتوالية في الداخل والخارج، بشأن الحلول والمخارج من الأزمات بكل أنواعها السياسي والعسكري؛ تحركت الولايات المتحدة الأمريكية سياسياً، بتصريحات محددة لأول مرة من رئيسها، بأنه لابد للولايات المتحدة الأمريكية والمجتمع الدولي من تأديب النظام السوري بعد تجاوزه الخطوط الحمراء، التي كان الأمريكيون أنفسهم قد وضعوها لسوريا في وقت سابق بعدم استخدام الأسلحة الكيميائية في الصراع العسكري مع المعارضة. فتلك جرائم حرب يعاقب عليها القانون الدولي، ولابد أن يتحرك المجتمع الدولي - حسب التصريحات المتوالية من مصادر القرار الأمريكي - بعد أن ضرب الرئيس السوري بشار الأسد بتلك التحذيرات عرض الحائط، وقام بقصف بعض مناطق المعارضة في ضواحي العاصمة السورية بالسلاح الكيميائي، وقصف المنطقة بعده بالطائرات، لإزالة آثار ذلك الخرق للمحظورات الدولية. وعندما جهزت الآلة العسكرية الأمريكية نفسها في المناطق المحيطة بسوريا من حاملات طائرات في البحر الأبيض المتوسط، وقواعد عسكرية متعددة في المحيط القريب منها، الذي يمكن أن تنطلق منه الصواريخ، في هجوم مركز على مواقع تلك الأسلحة، ومحدد زمنياً، ويهدف إلى العقاب، وليس إلى التدخل لصالح طرف ضد آخر؛ ليكون الاستعداد تحت تصرف الرئيس (صاحب القرار السياسي بالضربة)، توقع الناس جميعاً - بما فيهم النظام السوري - أن الضربة العسكرية قادمة بُعيد خروج فريق المفتشين التابع للأمم المتحدة مباشرة. فلجأ النظام إلى تغيير مواقع بعض وحداته، وإطفاء الأنوار المحيطة ببعض المواقع العسكرية، ووضع بعض معداته في وسط الأحياء المدنية كما كان يفعل سلفه المخلص معمر القذافي. لكن شيئاً من ذلك لم يحدث، بل وطار الاقتراح العرضي، الذي ورد على لسان وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، بأن سوريا لو سلمت أسلحتها الكيميائية، فلن تكون هناك حاجة إلى الضربة العسكرية، مباشرة إلى القنوات الدبلوماسية الروسية، لتأتي الموافقة السورية عليه خلال ساعات. ويصبح الحديث مجدداً، ليس عن توقيت الضربة وحجمها وآثارها المحتملة، بل عن أن الاستعداد لها لم يعد قائماً، وأن المحادثات بين الجانبين الأمريكي والروسي بهذا الشأن جادة وعميقة وشاملة، ثم قيل: ناجحة ومثمرة. ما الذي حدث بين زيارة الرئيس الأمريكي إلى روسيا لحضور قمة الدول الصناعية، وزيارة وزير الخارجية الأمريكي إلى باريس، وبعض العواصم الأوروبية خلال الأسبوعين التاليين لتلك الزيارة. طبعاً حصلت عدة تطورات، منها: رفض البرلمان البريطاني مشاركة بريطانيا في الضربة العسكرية لسوريا، وتردد الأوروبيين في المشاركة دون قرار من مجلس الأمن الدولي. غير أن أشياء أخرى دارت في الكواليس، منها ما هو متعلق بالداخل السوري، حيث قامت بعض الجهات المتطرفة، ربما بدعم من النظام، بالسيطرة على معلولة والاعتداء على كنائسها وتهديد المسيحيين هناك بأمور عديدة، ومنها ما هو متعلق بخارج سوريا؛ على المستوى الاقليمي في تحركات إيران بدعم من حليفتها في هذا الشأن (المشاغب الجديد القوي الروسي)، وعلى المستوى الدولي متمثلاً في تداعيات الأزمة المالية على الاقتصاد الأمريكي، وتخوّف الرئيس (المتردد أصلاً) بشأن أي عمل عسكري من انعكاسات تلك الأزمة العسكرية على الاقتصاد المتردي، خاصة بعد تخاذل الأوروبيين عن المشاركة اللوجستية أو الدعم المالي لذلك المجهود. فاجتمع الخصمان في جنيف (وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف)، وقررا اقتسام الكعكة دون خسائر تلحق ببلديهما. أما نتائج هذا الحلف الجديد، فستظهر في العقد القادم، بعد أن يصبح اتفاق جنيف مرجعية للتكتلات الجديدة في منطقة الشرق الأوسط، وبديلاً لاتفاق سايكس - بيكو (وزيرا خارجية بريطانيا وفرنسا) اللذان قسماها على طاولة عشاء أثناء اشتعال الحرب العالمية الأولى. وبعد ثلاث سنوات يكون قد مضى على ذلك التقسيم قرن كامل، فلا بد من إعادة التحديث وفقاً لمصالح اللاعبين الجدد!